والكون كله مظاهر للنفس، فلكل شيء في الكون نفس وهو مظهرها، وهي مفطورة على صورة الفاطر - جل وعلا - ولذلك جاء في الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته).
وهذه خلاصة تلك الفلسفة، وتتمتها أن النفس قبل اتصالها بالبدن كانت عالمة بكل شيء، فلما اتصلت بالجسم نسيت ما كانت تعلمه، والتعليم إنما هو تذكير بما كانت تعلم لا خلق للعلم، وبذلك كان يقول سقراط، وكان يقول: إنه استطاع أن يعلم عبدا له أدق نظريات الهندسة بمساعدات بسيطة، ولو كان التعليم خلقا ما استطاع ذلك، وربما أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى .
فذلك قوله:
هبطت إليك من المحل الأرفع
ورقاء ذات تدلل وتمنع
والتعبير بالهبوط تعبير جميل، مما يدل على ذوق جميل، فهي خير من نزل أو سقط أو غيرهما من الكلمات التي تفيد معناهما؛ لأنها تدل على أن مهبطها دار عناء وبلاء، والورقاء الحمامة الرمادية، هذا في الأصل، ثم أطلقوها على كل حمامة وهو يكني بالحمامة عن النفس، أي النفس الكلية، فهو يقول: إن النفس هبطت من المحل الأرفع إلى الحضيض الأخس الأوضع، والمراد بالمحل الأرفع عالم العقول المجردة، التي تفيض منه النفوس على الأبدان، عند استعداد البدن للفيضان.
ثم قال:
محجوبة عن كل مقلة ناظر
وهي التي سفرت ولم تتبرقع
يقول: إن النفس قد حجبت عن أن يراها راء، أو بعبارة أخرى، قد حجبت عن الحواس، لا تدركها، وهي مع ذلك تدرك بالعقول، وتدل عليها الأفعال.
فالعقل يدرك إذا تجرد من الجسم، كالذي قال أبو يزيد البسطامى: «انسلخت من جسدي فرأيت من أنا»!
ويقول الحلاج:
اقتلوني يا ثقاتي
إن في قتلي حياتي
وحياتي في مماتي
ومماتي في حياتي
ثم يقول:
وصلت على كره إليك وربما
كرهت فراقك وهي ذات توجع
فتعلق النفس بالبدن شديد، وهي تكره فراقه إلا إذا حصلت كمالها، والسر في كره المفارقة أنها باللذات الحسية من مأكل ومشرب وترؤسها على الحواس، فهي قد هبطت كارهة، وخرجت كارهة.
ثم يقول:
أنفت وما أنست فلما واصلت
لفت مجاورة الخراب البلقع
أي أن النفس استنكفت واستكبرت على أن تتصل بالجسم، واستعلت عليه بحجة أنها من الموجودات الشريفة العالية، فكيف تتآلف مع الأجسام التي هي من الظلمات، ولكن لما حلت في الجسم ألفت به من طول الملازمة له، ويريد بالخرب البلقع البدن؛ لكونه قابلا للفساد والبطلان.
ثم يقول:
وأظنها نسيت عهودا بالحمى
ومنازلا لفراقها لم تقنع
ومعنى البيت أنه يتعجب من شدة اتصالها بالبدن وركونها إليه، واشتداد محبتها له، مع أنه من غير جنسها، ولما حلت بالبدن نسيت أيام كانت مجردة متصلة بالعالم العلوي، وعند تعلقها بالبدن لم تقتصر على نسيانها لعالمها، بل زاد على ذلك عشقها للمادة الآيلة للفناء، وشغفها بها، فرضيت بالأدنى، واستغنت به عن الأعلى.
ثم يقول:
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها
من ميم مركزها لذات الأجرع
يقول: إن النفس لما انفصلت من ميم مركزها أي من أعلى عالمها، وعبر بميم المركز لأن الميم حرف من حروفه، أو مبدأ لفظه، كما قال هاء الهبوط والمراد به الجسم، وذات الأجرع استعارة لجسد الإنسان.
ثم يقول:
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت
بين المعالم والطلول الخضع
أي تشبثت بالبدن الذي عبر عنه بثاء الثقيل، وسماه ثاء الثقيل؛ لأن الثاء أول حروفه.
ثم يقول:
تبكي إذا ذكرت عهودا بالحمى
بمدامع تهمي ولم تتقطع
الحمى البقعة التي يحوزها الإنسان بقوته، ويمنع غيره من التعدي عليها، وتهمي تسيل، وذلك أن النفس من حين إلى حين تحن إلى ما كانت عليه قبل اتصالها بالبدن يوم كانت في عالم المجردات، فتحزن ويعظم وجدها وبكاؤها.
ثم يقول:
وتظل ساجعة على الدمن التي
درست بتكرار الرياح الأربع
يقال سجعت الحمامة، إذا رددت صوتها على وجه واحد، والدمن ما بقى من آثار الديار ورسومها، ويقصد بها هنا أجزاء البدن، والدروس ذهاب الأثر.