وقد فقد الدين والعقيدة في الله ساحة الحياة العلمية، وأصبح المتدينون على اختلاف أديانهم لهم دين ميتافيزيقي يعيشون فيه أحيانا بتفكيرهم أو بخيالهم، ولهم حياة عملية منفصلة عن الدين بتاتا تسيرها الأغراض والمادة، ويخدم كل ذلك العقل، ولا يلاحظ فيها أي ملاحظة، خالق الخلق، وأوامره، وإشاراته، ولا ينبض فيها القلب بأي معنى من معاني العطف والرحمة والطاعة.
والفرق بين المؤمن والكافر اليوم أن المؤمن مؤمن نظريا، كافر عمليا، والكافر كافر نظريا وعمليا، ولذلك سيبقى العالم مضطربا حائرا فاسدا حتى يجد روحه وقلبه، وقد تفوق العالم المسيحي على العالم الإسلامي اليوم؛ لأنه كان أعرف بوسائل الأعمال ووسائل الحياة، وأكثر استكشافا لقوانين المادة، وقوانين القوة المادية لا لأنه أرقى دينا وأعظم روحا، فالعالم كله اليوم مخطئ إذا نحن نظرنا إليه نظرة روحية، وهو شقي بتقدمه المادي، وتقدمه العقلي من غير أن تسندهما قوة الروح، وليس ينقص المسلمين إصلاح في عقيدتهم، ولا روحانية في دينهم، ولكن ينقصهم أمران: الأول أن يكون الدين روحا لا شكلا، وقلبا لا جوارح، وحرارة لا مظهرا، ونبضا لا جمودا، وأن تكون «لا إله إلا الله»، و«الحمد الله رب العالمين»، معنى لا لفظا، وصادرة من أعماق القلب لا من طرف اللسان، وأن يكون معنى «لا إله إلا الله» أن ليس عرض من أعراض الدنيا إلها، فالمال والجاه والسلطان ليست آلهة تعبد، ولا قوة يخضع لها، وإنما الخضوع للحق وحده؛ لأن الله هو الحق، ومعنى أن الله رب العالمين: أن ليس في العالم رب يطاع وتسمع أوامره ونواهيه إلا هو - جل شأنه - والثاني: ارتباط عملهم بعقيدتهم، وإيجاد العلاقة الوثيقة بين ما يعملون وما يعتقدون، فليس للعقيدة من قيمة إذا حفظت في خزانة لا تفتح، أو قدست وأهملت، أو لفت في ثياب من حرير ثم تركت، فكما أن لا قيمة للمال إلا ما انتفع به ولا لأي عرض من أعراض الحياة إلا إذا استغل للمصلحة؛ فأهم من ذلك كله العقيدة: إذا لم يبن عليها العمل كانت نجما جميلا في السماء، أو لوحة جميلة في المعرض، أو خيالا بديعا في أخيلة الشعراء، أو صورة فنية من صور الأدباء، إنما العقيدة المصلحة هي العقيدة يتبعها العمل، وتبعث النور في طريق الحياة، وتهدي إلى الصراط المستقيم.
| عينية ابن سينا
اشتهرت هذه العينية بأنها لابن سينا، والناقد الأدبي يقطع بأنها ليست له؛ لأنه إذا تذوق ما لابن سينا من شعر وأراجيز، وتذوق هذه العينية يرى أنها أرقى بكثير من شعر ابن سينا، فابن سينا غامض اللفظ في شعره وفلسفته، سمج التعبير، يعتمد في لغته على المعاجم، وهي وإن دلت على المعنى الصحيح للكلمات فإن وراءها ذوقا يميز بين جيدها ورديئها وما يحسن استعماله وما لا يحسن، وابن سينا أبعد عن ذلك سواء في فلسفته أو شعره أو قصصه.
فهذه القصيدة في نظرنا أشبه ما تكون بشعر ابن الشبل البغدادي صاحب قصيدة:
بربك أيها الفلك المدار
أقصد ذا المسير أم اضطرار
وهي إلى تعبيره أقرب، ولذلك نسبها بعضهم له، وقد كان جميل الشعر حسن السبك للألفاظ دقيق الاختيار.
والعينية هذه تدور حول حالة النفس قبل اتصالها بالبدن وبعد اتصالها به وبعد مفارقتها له، فهو يرى كفلسفة القرون الوسطى أن النفس كانت قبل البدن بعهد طويل، تتمتع بكل ما تتمتع به العناصر الروحية المجردة، ثم تحل بالأجسام حين يخلق الجسم في الرحم، فتحل به وهي كارهة، ولكنها إذا طالت مدتها ألفته، ثم هي إذا فارقته بالموت فارقته وهي كارهة، والجسد يجري من النفس مجرى الثوب من البدن فإن الجسد يحرك الثوب بواسطة أعضائه الظاهرة، والنفس تحرك البدن بواسطة قوى خفية مناسبة، فهي التي تحرك العين واليد والرجل وغيرها، فإذا فارقته عدم الحركة، وكلمة الإنسان تطلق عليهما معا، وتطلق على النفس حقيقة وعلى الجسم وحده مجازا، كما يسمى ضوء الشمس شمسا، وهذه النفس لا تتجزأ بذاتها، وإنما تتجزأ بأعراضها، وليست النفس في البدن كالماء في الإناء إذا أفرغ الماء بقي الإناء كما هو حين حلوله به، والجسم لا يكون كما هو عند مفارقة النفس؛ ولا النفس كالحلاوة في العسل؛ لأن الحلاوة عرضية ولأن النفس رئيسة البدن والبدن مرءوس، وليست الحلاوة رئيسة للعسل، وإنما هي بمنزلة شعاع الشمس كما قلنا وهي حية بذاتها.