فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
يقرب إليه المطيعين، ويبعد عنه العاصين، يريد من الإنسان أن يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته، وأن يسعى ويجد في الحياة مراعيا أوامره ونواهيه، لا يترهب، ولكن يسعى ويعمل، ولا يغمض عينه عن الدنيا التي يعيش فيها، كما لا يغمض عينه عن الأخرى التي يرى فيها ربه، وقد كتب الله على نفسه أن يمد بالمعونة من استعانه في شئونه ورعاه في حياته، وأن يخذل من صد عنه، وعصى أمره، بيده الملك وهو على كل شيء قدير. •••
هذه العقيدة، عقيدة وحدانية الله وعظمته وقدرته على هذا النحو، من شأنها أن ترفع نفس معتنقها، فمن الذي يؤمن بإله هذه أوصافه، ثم يذل لمخلوق أو يتنزل إلى سفساف الأمور؟ ومن الذي يؤمن بإله هذه صفاته، ثم لا يتحرى الفضيلة في حياته ويتجنب الرذيلة في سلوكه، إن عقيدة الوحدانية تجعل الإنسان على أحسن صلة بالناس وبالحيوان وبكل الخلق؛ لأنه وإياهم نتاج صانع واحد، ومدبر واحد، فاتصاله بهم وبكل موجودات العالم اتصال أخوة، تجعله لا يذل للغني ولا للحاكم، ولا لذي السلطان؛ لأنه لا سلطان إلا لله، والفروق بين الإنسان والإنسان فروق في العرض لا في الجوهر، وفي الأوصاف الزائلة للأشياء لا في الخالدة فيها، والله لا يقوم الناس بغناهم وجاههم، ولكن بقلوبهم وأعمالهم، تجعله لا يحتقر الفقير ولا الضعيف ولا المرءوس لأنه أخوه أيضا، وشريكه في الحياة، وشريكه في العبودية لله، فهو عزيز النفس في غير كبر، أبي في غير عتو، متواضع في غير ضعة، ناظر إلى كل شيء نظرة عطف ورحمة، لا يرضى بالهوان؛ لأنه ينتسب إلى الله العظيم، ولا يرضى أن يظلم أو يظلم؛ لأنه ينتمي إلى الله العادل، يعمل ويكد في الحياة ويبتغي أن يكون في أعلى مقام، بفضل عقيدته في الله التي هي أحسن العقائد، ويجب أن تكون أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، يطيع الله فيما أمر به، وينتهي عما نهى عنه، ويعمل عقله حيث لا أمر ولا نهي؛ لأن العقل منحة الله، والله أمر باستخدامه والاستهداء به. •••
إن كان هذا فما جعل المسلمين في أنحاء العالم في الذيل لا في الصدر، وفي المؤخرة لا في المقدمة، وكان مقتضى العقل أن تجعلهم هذه العقيدة في طليعة أهل العالم، وحاملي لوائهم وهداتهم، والسابقين إلى الخيرات، والآمرين لا المؤتمرين، والقائدين الأعزة لا المقتادين الأذلة؟
سؤال صعب، والجواب الصحيح أن العقيدة الصحيحة تقوم بذاتها لا بمعتنقها؛ فقد ينحرف أهلها عنها، أو يحتفظون بشكلها لا بجوهرها، ولو آمن بها أتباعها حق الإيمان لصح أن يكونوا مقياسا كما كان معتنقوها الأولون، ولكن مع الأسف فقد المسلمون روح العقيدة وحرارتها وحياتها، وتمسكوا بظاهرها، والظواهر لا عبرة بها ولا قيمة لها، والحق أن العالم الآن - مسلمه ومسيحيه ويهوديه - يعيش من غير عقيدة صحيحة، أو من غير توفيق بين العمل والعقيدة، أو بعبارة أخرى هم يعملون من غير أن يكن الباعث على عملهم العقيدة، ومن غير أن ينظروا في أعمالهم هل هي مطابقة لعقيدتهم أو لا، فالعالم صنفان: صنف من الأمم يعيش من غير دين، أو بدين يؤمن بإله، ولكن يجعل إلهه طرفه من الطرف في مكان مغلق يستمتع بالنظر إليه من حين إلى حين ولكنه لا يدخله في حياته ولا في تصرفاته؛ وصنف يعتنق الدين بصفاته الصحيحة التي ذكرنا، ولكنه يعتنقه نظريا لا علميا، فالنظم الاجتماعية عند الجميع في العالم والنظم السياسية، قائمة على نظرات آلية ميكانيكية ليس مبعثها الاعتقاد بالله واتباع أوامره، بدليل أن السياسي المتدين والسياسي الملحد يتفاهمان كل الفهم على التصرف في الأمور، والاجتماعي المتدين والاجتماعي الملحد سواء في النظر إلى الأمور على وفق المصالح من غير نظر إلى روح الدين.