إن من صفة الله الكلام، ويظهر كلامه في أمره وخلقه، ولكنه في هذه الأيام يضغط في بعض حروفه فتكون الطبيعة الجميلة.
إن الأرض في هذه الأيام فخمة ساحرة فيها روائح الجنة، ثم الطيور وما أدراك ما هي؟ تغرد طويلا بعد أن سكتت، وتغني كثيرا بعد أن صمتت، وتمرح بعد أن بكت، ولا يفهم غناءها إلا من شجى شجوها.
لئن قلت لك فيما مضى: اخرج وانظر، فإني أقول لك الآن: اخرج واسمع، وكم في الطبيعة من مناظر بديعة وأصوات جميلة، في كل منهما متاع للسمع والبصر.
إن فيها بلسما للجريح، وطربا للنفس، وجمالا في العين؛ إنها تبعث إلينا أطفالها الأربعة، الشمس والماء والهواء والتراب، فتستقبلنا في هدوء وتحيي فينا النفوس، وتبعث فينا الدفء، وهي في هذه الأيام تنعشنا بعد الخمود، وتحيينا بعد الموت.
هي في هذه الأيام تجمل كل قبيح بأوراقها الخضر، وتكسو كل عريان بأثوابها النضر.
ثم هي توحي بأسرارها لمن أحسن الإصغاء لها وتأمل في مناظرها، وسمع لأنغامها، ومن وفق إلى ذلك رأى عجبا من الأسرار وغزارة في الإيحاء.
ومن عجيب الأمر أنك تعي أسرارها، ولا تستطيع أن تخبر بها، أو أن تكتبها أو أن تعلمها.
إنها أعمق من اللغة، وأدق من الأمواج.
وكل ما تستطيع أن تقوله لمن يسألك عنها، اذهب وانظر إليها كما نظرت، واسمع لها كما سمعت، توحي إليك بأسرارها، كما أوحت إلي.
إن اللحم والدم فينا لا يستطيعان أن يدركا أسرارها، ولكن روحنا تستطيع أن تدرك روحها.
إن من قوانين الطبيعة الموت والحياة، وقد أرتنا الموت في الشتاء، فأرتنا الحياة في الربيع.
إن فيها لشعرا، أين منه شعر أكبر الشعراء، وإن فيها لفنا أين منه فن أكبر الفنانين.
لا تجعل حياتك دائما عبدة للنهائي والمحدود، وخصص جزءا من وقتك، تستمتع فيه باللانهائي واللامحدود.
إن من صهره الحب لم يتقيد بالمقاييس، ولا بالاقتصاديات، بل يرى أنه كلما أسرف جنى.
إن معيشتك أحيانا في اللانهاية واللامحدود تبعدك عن الأنانية والقومية، وتوسع أفقك حتى أكثر من الإنسانية.
| أساس الإسلام
من أروع ما في الإسلام وصفه لله، فالله هو رب العالمين، عالم الجماد، وعالم النبات ، وعالم الحيوان، وعالم الإنسان، وعالم المجموعة الشمسية، وعالم غير المجموعة الشمسية مما نعلم وما لا نعلم، وهو واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، هو الذي خلق الخلق أولا، ثم هو الذي يمده بالحياة دائما، وهو الذي يدبر نظامه ويسيره إلى غايته، فعلاقته بمخلوقاته لا تنقطع، ولو انقطعت لحظة لفسدت السموات والأرض ومن فيهما، وهذا هو الذي يميز العقيدة الإسلامية عما يعتقده الأوربيون اليوم، فهم يعتقدون أن الله خلق الخلق وتركه يدبر نفسه كما شاء ويدبرونه هم في دنياهم كما يشاءون، فهم الذين يقررون الفضائل والرذائل، وهم الذين يسنون قوانينهم وشرائعهم حسبما يتراءى لهم، فإذا ذكروا الله في أوقات الشدة - كأوقات الأزمات الحرجة في الحرب - فكل أمة تدعي أنه معها، وتستنجده في النصرة على عدوها، كأن الله تعالى خادمها لا المسيطر على العالم كله يصرفه ويقضي فيه حسب سنته التي رسمها، فميزة العقيدة الإسلامية أنها تصفه بالخلق، وتصفه بأنه يرعى العالم دائما ويهديه سبله دائما، وتطلب من الإنسان أن يوثق علاقته بربه، فيرعى أوامره ونواهيه في كل تصرفاته، ويطلب منه الهداية، ويؤسس نظرته إلى الأخلاق على ما أمر الله به أو نهى عنه، ويشكل حياته الفردية الاجتماعية حسب تعاليمه، ويجد في اكتشاف إرادة الله فيتبعها، ويدقق في فهم إشاراته فيعمل على وفقها؛ ويجعل صلته بالله أقوى صلة، وحبه لله أقوى حب، والخوف منه أكبر خوف، يؤمن أن لا شيء في الوجود يستطيع أن يبقى لحظة من غير إمداده، هو أول الخلق وآخره، بمعنى أنه السبب في خلقه، والغاية التي ينتهي إليها وجوده، وهو الذي وضع للناس القواعد الأخلاقية الأساسية لسيرهم، وربط الأمر والنهي بما ينفعهم ويضرهم، فأمر بما ينفع ونهى عما يضر، وهو الذي يحاسبهم على تصرفاتهم في دنياهم يوم يلقون ربهم