لقد رأينا أن الأدب كان يتجه إلى التقليل من قيمة العظماء السابقين والشك في وجودهم أو عظمتهم، وإنشاء القصص الساخرة بالناس وبالمجتمع، ولكن ينتظر أن يزول كل ذلك، فإن كبار الكتاب هم أصدقاء الإنسان، وأحباء الحياة، وسيكون الأديب مشبعا بروح الحماسة محاولا بناء العزائم لا هدمها، وسيحسن للناس الحياة، ويدعو إلى أن فيها خيرا كثيرا، قد يفوق الشر.
إن الأديب كان يهتم كثيرا بنفسه، وقلما يهتم بالناس، ولذلك ضعف شعوره بالمسئولية، أما في المستقبل فسيشعر الأديب بأنه مسئول عن الحياة الاجتماعية التي يعيش فيها ينادي برفع الظلم، ويأسف لسوء الحال، ويحارب الشكاكين الذين لا يؤمنون بالله ولا بالوطن، ولا بأي شيء.
لقد عشنا طويلا، نحن وإخواننا في الشرق، في ذلة وفقر، لا نرى ملجأ إلا الملوك والأمراء، نتملقهم، ونأكل من أيديهم، أما السلطة اليوم فللشعوب، والعهد عهد الديمقراطية، لا الأرستقراطية، والمنادون بالإصلاح عادة هم الأدباء، يرون أنهم لم يؤدوا رسالتهم إذا عكفوا على شهواتهم، وغنوا لأنفسهم، وقبعوا في كسر بيتهم، فما لم يسايروا الشعب آماله، يموتون جوعا، وينبذهم المجتمع نبذ النواة.
بل لعل الأديب مسئول عن مجتمعه، أكثر من مسئولية الحاكم؛ لأن الأديب أقدر على الاتصال بنفس الشعب، وأقدر على تحريك مشاعره، وهو يحس بمقدار خدمته للشعب، وإحساسه بالمسئولية أمام الشعب.
لو استعرضنا الأدباء العرب الأقدمين لرأينا قليلا منهم من تحمل المسئولية، وهل تحملها أبو نواس وهو الغارق في شهوته، وأبو تمام والبحتري، وهما يشعران أكثر ما يكون للملوك والأمراء، أو المتنبي وهو يجري وراء مال أو ضيعة، أو ابن سكرة والحجاج، وهما ماجنان لا تهمهما إلا النكتة، يضحكان بها الناس، أو الشيخ علي الليثي، والسيد علي أبو النصر وهما يسيران في فلك الخديو إسماعيل حيثما سار، أو غيرهم أو غيرهم ...
لقد انقضى ذلك العهد، وأصبحنا في عهد يتحمل فيه الأديب مسئولية مجتمعه، أكثر مما يتحملها الحاكم والموظف والجندي؛ ذلك لأن قيم الأشياء انقلبت على مر الزمان رأسا على عقب.
سيقدر التاريخ الأدباء تقديرا آخر غير التقدير الماضي، لقد كان التقدير الماضي مبنيا على فخامة أسلوب، وجمال تعبير، وقدرة على البديع، أما في المستقبل فسيكون تقدير الأديب: ماذا صنع لأمته، وكيف هداها إلى الخير، وإلى أي حد رفع صوته ضد الظلم والفساد؟
| الربيع الباكر
أشعر أن العالم في هذه الأيام أجمل منه في أي وقت آخر.
إنا نرى الله تعالى دائما خالقا رازقا، ونراه أيضا في هذه الأيام فنانا.
وهذه الأيام جديرة أن تنظر فيها إلى فنه كما تنظر دائما إلى فيضه وخيره؛ فقد انقلبت الطبيعة من رمادية داكنة، وأحطاب عارية، إلى خضرة كاسية تمتع النظر، وتريح النفس.
وتتجمل الأغصان بأوراقها الناضرة التي ترهص بأن تكون فروعا، وفي هذه الأيام تكتسي الأشجار وكانت عارية، وتتألف البراعم وكانت غائبة، وتتفتح الأزهار وكانت غامضة.
وفي هذه الأيام تصحو الدنيا وكانت نائمة، وتأخذ في الغزل السريع الجميل وكانت هاجعة.
هي تذكرنا بالشباب الجميل وقد فقدناه، وبالعيش الجديد بعد أن نسيناه، إن الطبيعة تعرض علينا فيلما جميلا، كما تعرض علينا صورة رائعة مختلفة الألوان زينت بإطار بديع.
إنك تقرأ فيها الملائكة الطاهرة، والجن الساحر، وأين التطريز العجيب، تطرزه الفتيات الجميلات من هذا التطريز الأنيق؟
إن كان لي أن أنصحك، فأقول لك: اخرج وتأمل، تأمل جذوع الأشجار الضخمة كالأعمدة، وتأمل «البانيسيه» الملون المنقوش نقشا يعجز عنه أي فنان.
إن الطبيعة في هذه الأيام تغني سيمفونية رائعة، لئن كان لله مظاهر قوية في الزلازل والصواعق، فله مظاهر وادعة وجمال في الطبيعة في هذه الأيام.