تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الحركة من الشبان تدل على أنهم سيكونون أصدق نظرا، وأحسن عملا.

ومن المظاهر التي نلحظها بعد الحرب الثانية، الميل إلى الإيمان، ويظهر أن هذا هو طابع الكتب المستقبلة، بدليل ما نلاحظ من أن الكتب الدينية قد زادت انتشارا، وزال كسادها، وسبب ذلك قسوة الحرب، والحاجة إلى ركن ركين يعتمد عليه الناس، وتبع ذلك تحطيم النفاق والرياء والاحتيال، وتصوير العواطف الواقعية تصويرا جريئا صادقا واضحا لا لبس فيه ولا غموض، ومن المظاهر التي تتوقع أن تسود قلة التفات الأدباء إلى أنفسهم وأفرادهم، وكثرة التفاتهم إلى مجتمعهم، والإعراض عن النظرية التي كانت سائدة، وهي أن الفن للفن، وأن الأدب ينبغي أن يكون حرا طليقا لا يقيده شيء، بل يسود الأدباء والفنانين نزعة البوهيمية، وإلا ما كانوا فنانين، وحل محلها نظرية «الأدب في خدمة المجتمع» ومن مظاهر ذلك كثرة الروايات والكتب التي تعالج مشاكل المجتمع، ورأينا أن أدب الفردية والحيرة الاضطراب يسير إلى الزوال، وعظم إحساس الأديب بمسئوليته، ولا شك أن هذا سيبدو أثره واضحا في كتب المستقبل، فالأديب سوف لا يغني لنفسه، وإنما يغني للناس، وسيختفي أيضا نتيجة لسيادة الديمقراطية الصناعية تفخيم الأسلوب والزينة اللفظية، والعناية بأنواع البديع والزخرف، وستسود البساطة، والرغبة في إفهام الناس من أقرب سبيل، وسيرتبط الأدب بالنظام الاجتماعي؛ ليؤدي فيه وظيفته الحقة، وبذلك سيدخل الأدب فيما نعتقد في عصر من عصوره الزاهية.

لقد كان الأدب والفن في ظلمات بعضها فوق بعض، وكان يغمرها موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، أما في المستقبل فسيعودان إلى النور وسيرتفعان إلى القمة.

إننا الآن في موقف يفوق كثيرا موقف الأدباء الأقدمين، لقد كانوا يعيشون من فتات الملوك، وكان الأدب أكثره مديحا، وكان طابعه الملق والنفاق، فتزلزلت عروش الملوك، ولم يعد الأدباء المداحون يجدون ملوكا يمدحونهم، وظهرت قوة الشعب فوق قوة الملوك، وسيزداد ذلك على الأيام.

لقد أصبحنا أكثر حرية، وأوسع انطلاقا، وسيكون من بعدنا خيرا منا، وسيشعر الأدباء بمسئوليتهم أمام مجتمعهم، فيتعلمون كيف يكتبون لخدمة مجتمعهم.

لقد كانت القصة في ربع القرن الأخير مملوءة باليأس، وبالعوامل التي تحطم القيم الإنسانية إلا في القليل النادر.

أما في المستقبل فسترد إلى الأشياء قيمها، ويسودها الروح الإنساني، وسيسودها الحلم اللذيذ.

لقد جرت العادة في تقسيم الأدب إلى نوعين: نوع يقصد منه التسلية والمتعة فقط، ونوع يهدف إلى توسيع فهمنا للحياة، وتقويتنا على احتمالها، وعندي أن كتب المستقبل سيكون أقلها من النوع الأول وأكثرها من النوع الثاني.

لقد جرينا زمنا طويلا على أن نعتمد على أدبنا، فإذا اقتبسنا من غيرنا، فاقتباس قليل، أما في المستقبل وقد كسرت الحواجز بين الأمم، وكثر الاتصال بينها، فسوف يستفيد كل أدب من أدب غيره؛ فيستفيد الشرق من أدب الغرب، ويستفيد الغرب من أدب الشرق، مثل التبادل المادي.

سيختفي الأدب الذي هو أشبه شيء بالتقارير، والذي يعتمد على الوصف المادي، وسيغلب الوصف المبني على التأمل الخصب، والحيوية التي يعرض لها الأديب وسيقربون من المثل الأعلى للأدب، وهو أن يكون واضحا قويا موجزا، وسيختفي اللعب بالألفاظ، والغموض، وستكره الشعوب الأدباء الثرثارين، والأدباء المنافقين، والأدباء المزوقين، والأدباء الماجنين.

ويغلب على ظني أن الأدب في السنوات القريبة، سيهدف إلى تقويم النفس الإنسانية تقويما كبيرا، ويعيد إليها مكانتها، وبذلك ينتهي امتهان الأدب لكرامة الإنسان: سواء بالانهماك في الملذات، أو عدم الاعتداد بالنفس البشرية، أو الضعة لأولي القوة.

لئن كان الأدب في السنين الأخيرة الماضية، محطما لقيم الإنسانية فإن الأديب في المستقبل القريب سيكون أكثر أملا، وأكثر تقويما للإنسانية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٩٩