والمعنى الثاني أن الشعراء يوصفون بالكذب؛ لأنهم ينسبون إلى أنفسهم أعمالا جليلة لم يأتوا بها، ويزعمون مزاعم لا تستند إلى الحقيقة، ثم يهجون فيصفون المهجو بكل رذيلة، ويمزقون الأعراض، ويقدحون في الأنساب، ويتعرضون للحرم، وهؤلاء اللذين عانهم القرآن بقوله: «والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟»
ولكن ليس هذا ولا ذاك من الشعر الراقي في شيء، فلا الغلو في المبالغة ولا نسبة شيء إلى غير فاعله مما يزين الشعر، وإنما نشأ قولهم: «إن أعذب الشعر أكذبه» من تصور ناقص لمعنى الشعر. لقد كان الشعر عندهم يجول أكثر ما يجول في المدح والهجاء، ورأوا أن هذا المدح وهذا الهجاء لا يجودان بذكر الحقيقة المجردة؛ إنما يجود المدح إذا جعل الشاعر من الحبة قبة، ويجود الهجاء إذا قال الشاعر فأفحش، وسب فأقذع، ولكن عفى الزمان على هذه النظرية، وأصبح هذا النوع من أحط أنواع الشعر، وأقلها استحقاقا لاسمه. فالشعر كما يقول (وردسورث): «هو الحق ينقله الشعور حيا إلى القلب»، وكما يقول (رسكن): «الشعر إبراز العواطف النبيلة عن طريق الخيال».
وليس هذا مقصورا على الشعر، فكل الأدب من هذا القبيل، وتعريفا وردسورث ورسكن هما تعريفان للأدب جميعه لا للشعر وحده.
فالذي أرى أن رسالة الأديب هي من جنس رسالة الفيلسوف، كلاهما يرمي أو يجب أن يرمي إلى إبراز الحقيقة ونقلها إلى السامع أو القارىء. وغاية ما بين الفيلسوف والأديب من فرق أن الفيلسوف ينقلها إلى عقل السامع أو القارىء، والأديب ينقلها إلى قلبه. ومن أجل هذا يستعين الفيلسوف بالمنطق وما يتبعه من مقدمات محكمة ونتائج مستلزمة، فهي بالعقل أليق. والأديب يؤدي الحقيقة من طريق الخيال الجميل والأسلوب الجميل؛ لأنهما بالقلب أليق.
والصدق بمعناه الواسع وبكل ما تحتمله الكلمة من معنى مجال للأدب وشرط من شروط قوته؛ فلو عبر امرؤ القيس عن شعورة نحو المرأة أو عبر أبو نواس عن شعوره نحو الخمر، فهو أدب صادق قوي، وإن كانت الأخلاق الاجتماعية لا ترضى عن النحو الذي سلكاه في التعبير، ولكنه من الناحية الأدبية أدب صادق قوي. وإن شعر شاعر في الورع والزهد ولكنه في نفسه ينطوي على دعارة وفجور، لم يكن شعره صادقا ولا قويا وإن رضيت عنه الأخلاق الاجتماعية. نعم إن الأدب الذي ينبعث عن عاطفة إنسانية نبيلة أرقى وأسمى؛ ولكن ما دمنا نتكلم في دائرة الصدق، فكل ما يصف عواطف الإنسان أدب صادق.
والصدق يمنح الأدب قوة؛ لأن الأديب إذا عبر عما تكنه نفسه ويختلج به قوله أقوى تأثيرا، وأشد حياة. والأديب الحق هو من تأثرت نفسه بالحياة ومظاهرها تأثرا خاصا يتفق ونفسيته ومزاجه، ثم هو يحاول بأدبه أن ينقل هذا التأثر إلى الناس، ويجعلهم يشعرون بما يشعر وينفعلون بما ينفعل؛ فإن هو لم يتأثر وحاول أن يؤثر كان أديبا زائفا، وكان الفرق بينه وبين الأديب الحق كالفرق بين النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة.
وهذا الصدق في التعبير هو الذي يسبغ على الأدب مسحة الخلود؛ فالشعر الذي قيل في المديح والهجاء أقل قيمة وخلودا مما قاله الشعراء في وصف عواطفهم؛ فرثاء ابن الرومي لولديه أبقى من هجائه لخالد بن قحطبة، واعتداد المتنبي بنفسه في شعره أقوى من مدحه لغيره.
بل ما لنا نذهب بعيدا ونحن نرى من الكتاب المحدثين من توزع أدبهم بين أدب سياسي وأدب قومي أو عالمي؟ فأما كتابتهم السياسية فقيمتها وقتية لا تقدر كثيرا إلا في ظرفها وبيئتها وزمنها، وأما أدبهم القومي أو العالمي فكثير منه يستحق الخلود والبقاء، صالح لأن يقرأ ويردد على اختلاف الزمان والمكان. •••
كتب كاتب أمريكي فقال: «يسألني كثير من الشبان أن أضع لهم مبادىء تساعدهم في الكتابة، فلهم أقرر هذا المبدأ وهو: «اكتب في الموضوع الذي تجيد معرفته والشعور به. ثم اكتب ولا تنظر أي النظر لما تحدثه كتابتك من نتيجه وأثر، وكل ما يجب أن تعني به أن تعتقد أن ما تكتبه حق، ولتكن نتيجته ما تكون، وليكن مرشدك في كتابتك الحياة، ولا تخش من نقد يوجه إليك إلا من ناحية أنه حق أو ليس بحق».