كان الإسلام يقول: يبعث الله في كل مائة سنة من يجدد له أمر دينه؛ وذلك لأن القائد القديم لا يصلح بعد مائة سنة - وقد تقدمت الآراء والأفكار - فيبعث الله قائدا جديدا يماشي هذه الأفكار، والقادة اليوم يسلكون طريق قادة اليونان والرومان ذراعا بذراع وشبرا بشبر ويستعملون ألفاظهم وأساليبهم ... فنحن أحوج ما نكون إلى مجددين.
لقد تجمعت قوات إنجلترا بأساطيلها ورجالها لمحاربة الهند وسلكت طريقها المألوف، فقتلت الألوف وعذبت الناس وملأت السجون ... ولكن جاءها قائد جديد بنمط جديد لا يملك إلا ثوبه، ولا يأكل إلا من لبن عنزة، ويدعو إلى المقاومة السلبية لا المقاومة الإيجابية، ويدعو إلى الإنسانية ويطلب الرحمة لمن قاتله، ويغزو بنظرته حيث يغزو الإنجليز بمدافعهم، ويدعو إلى المساواة بين المنبوذين، وأخيرا تغلب هذا القائد الجديد على القادة القدماء وانتصرت الهند واستقلت، وكان هذا درسا للعالم يملي عليهم أن القادة الجدد خير من القادة القدامى.
وسلحت الدول الأوربية المبشرين بكل ما لديها من وسائل، وخير مثل لذلك جنوب السودان، فقاومهم الإسلام ببساطته وسماحته، ولا قوة له ولا سلاح ... فانتصر عليهم لأنه يعتنق مبدأ جديدا ويعتنقون مبدأ قديما، وضج المبشرون من قلة من يعتنقون المسيحية من الوثنيين مع كثرة المال وكثرة العدد وحماية الحكومات لرجال التبشير، ونجاح الإسلام ولا تبشير ولا قوة ... وهذا أيضا يرينا أن المبادئ القديمة المتعفنة لا تصلح للعالم اليوم؛ فقد تغير العالم فيجب أن يتغير القادة، وما كان يضحك به على العالم وهو طفل لا يصلح لأن يضحك به عليه وهو شاب، وثوب الصغير في المهد لا يصلح أن يكون ثوبا للرجل الكبير الكهل.
ويشترط في القائد الجديد أن تكون له المرونة الكافية لا يحتقر القديم لقدمه، ولا يعتز بالجديد لجدته، إنما هو رجل طالب للحق حيث كان، قد يأخذ من القديم ولا يأنف، وقد يأخذ من الجديد ولا يجمد.
| أدب المستقبل
لكل عصر مزاجه وبيئته التي تؤثر في أدبه، ومن أجل هذا لا يمكن لعصرنا أن يخرج كتابا مثل كتاب الأغاني يعتمد على الرواية والسند، وعلى الأخبار المتفرقة؛ لأن هذا كان نتيجة لمزاج زمانه، فهو يقلد كتب الحديث في اعتمادها على السند وروايتها للجزئيات، ونحن لا يغلب علينا هذا النمط من التأليف، ومحال أن نؤلف على هذا النحو، ومن أجل هذا أيضا كان أكثر من تعلم اللغة الأجنبية بجانب اللغة العربية يفضلون أن يقرأوا الكتب الإفرنجية؛ لأنها تتعرض لموضوعات العصر، بأساليب العصر.
ويحق لنا أن نتساءل: ما مستقبل الأدب، وخصوصا الذي سيسود؟ لقد جاءت الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، فأثرتا في الناس وحياتهم الاجتماعية أثرا بالغا، وكان لا بد أن يتبع ذلك التغير، تغير في الاتجاه الأدبي.
ونحن نلاحظ أن الأدب يسير سيرة البندول، أحيانا إلى اليمين، وأحيانا إلى اليسار، كالحياة؛ فقد أعقب الحرب العالمية الأولى نوع من اليأس وخيبة الأمل، وشك في القيم، وامتهان لها، وسخرية عابسة لا تؤمن بشيء.
وأنتج ذلك أدبا فيه حيوية واستهتار بالحياة، كان في نفوس الناس إيمانا عميقا بأن الحياة لا تستأهل الحرص عليها، خصوصا أن الجيلين اللذين اشتركا في الحرب الأولى كانا يؤمنان بالمثل العليا، وأن الحرب ستسلم في النهاية إلى سلم رائع، يسود فيه الحق والعدالة والخير، فلما رأيا أن شيئا من ذلك لم يحدث، صدمهما الواقع، وأنتج الأدباء في ذلك العصر أدبا نظروا فيه إلى أحداث العالم نظرة سوداء، ولذلك لما دخلوا الحرب الثانية دخلوا وهم مرتابون في النتيجة؛ قياسا على ما رأوا في الحرب الأولى.
وكان أكثر الروايات التي أخرجوها في هذه الفترة تدل على الشك والارتياب، وشعورهم العميق بالحاجة إلى القيم التي أهملت، ورد اعتبارها إليها، وتقويمها من جديد، ولذلك كان الشباب الذي تخرج في الحرب الثانية وما بعدها، أنضج عقلا، وأكمل رجولة، فكسبوا بذلك قدرة على المناداة بالإصلاح، وكان صوتهم مسموعا، ومكانتهم ملحوظة.