تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب: أنه قد يكون هذا محض مصادفة، وكان في الإمكان أن لا يكون لوثر ولا يكون ڤولتير، وأيضا قد يصح أن يكون قد وجد في تاريخ المسلمين أمثال ڤولتير ولوثر، ولكن خنقتهم بيئتهم وخنقهم الأمراء المستبدون، فلم يتسع لهم المجال، ولو كانوا لتغير وجه التاريخ، خصوصا وأن العادة جرت في الشرق ألا يشجع المبتكر ولكن يخذل ويسخر منه، كما فعل بالأنبياء من قبل، «فريقا كذبتم وفريقا تقتلون»، ونحن نرى أن الشيء إذا أتى به غربي شجع وقلد وهلل له، وإذا أتى به شرقي خذل واستهزئ به ورفض! فهل آن الأوان للقيام من هذه الكبوة والنهضة بعد العثرة؟ إن كل الدلائل تدل على ذلك.

فالعصبية القومية قد تجعل الشرقيين يتعصبون لشرقيتهم فيشجعون من نبغ منهم، والوعي القومي وقد تنبه يجعلهم أحسن تقديرا، وأكثر اعتدالا، وأقل جمودا، وأكثر تقويما للحقائق، ووزنا لها بالميزان الصحيح، ومتى سلكوا هذه السبيل ولو قليلا اندفعوا فيها، وبنى الخلف على أعمال السلف، فكان لنا من ذلك أدب جديد، وفقه جديد، وعلم جديد؛ يناسب بيئتنا وعقليتنا.

كم كنت حزينا يوم قابلني رجلان ألمانيان مستشرقان، فسألني أحدهما: من هو الصوفي المصري الذي يمكنني أن ألقاه وأفهم منه تصوفه؟ وسألني الآخر: من هو الفيلسوف المصري الذي ألقاه وأفهم منه فلسفته؟ فكان الجواب مع الأسف بالنفي، فهل أعيش ليمكنني أن أجيب على هذين السؤالين بالإيجاب؟

إننا قد بلغنا في التقليد حدا معيبا، فمن أتى برأي قيل له: من أين أتيت به، والعلماء المصريون والأدباء الشرقيون، منهم من يقلد قدماء الشرق حذو القشرة بالقشرة، ومنهم من يقلد الغرب كل التقليد، حتى إن كل واحد منهم قبل أن يسن قانونا أو قبل أن ينظم قصيدة أو قبل أن ينحت نحتا، يحوك في نفسه السؤال الآتي: «ماذا فعل من قبلي في هذا الموضوع، وماذا قال، وأي جهة اتجه؟» كأن الله لم يخلق له عقلا ...

إن الشرقيين في الحقيقة لا يقلون ذكاء ولا خبرة ولا دينا عن الغربيين، فما الذي أصابهم؟ وكان مقتضى الذكاء أن يكون بجانبه الابتكار، ولكن لعل ضغط الكنيسة على الغربيين جعلهم ينفرون فيبتكرون، وتسامح الإسلام مع المسلمين جعلهم ينامون، وكثيرا ما قالوا: إن الضغط يولد الانفجار، والكرة من المطاط، إذا ضربتها فضغطتها ارتفعت بمقدار انضغاطها.

والله على كل شيء قدير.

| البرنامج اليومي للسعادة

إذا صحوت من نومك، غسلت وجهك وأفطرت، وإني لأتمنى أن يكون لكل إنسان فطور روحي يهتم بالمحافظة عليه قدر اهتمامه بالفطور المعدي ... فليست الروح أقل شأنا من المعدة، فلماذا نحافظ على مطالب المعدة ونحفل بها ولا نحفل بمطالب الروح؟!

إن إفطارك كل يوم، يزيد جسمك قوة ... وإفطارك الروحي يزيدك قوة وسعادة، ونجاحك في الحياة اليومية وسعادتك فيها يتوقفان على هذا الغذاء الروحي؛ لأن السعادة تعتمد على إرادتك وموقف عقلك أكثر مما تعتمد على الحوادث نفسها، فيجب أن نعدل أنفسنا حسب الأحداث التي تحدث كل يوم لنبعد عنا الشقاء.

إن إرادتي تستطيع أن تبعد التسممات التي تسممها الأفكار للعقل، والإرادة هي التي تستطيع أيضا أن تضع حدا للخوف ولهياج الأعصاب اللذين يضايقان الإنسان، والإرادة هي التي تستطيع أن تقف الغضب وتضع حدا للكبر، والإرادة هي التي تلطف السلوك مع الذين تعاملهم وتقضي على الخلافات التي بينك وبين عملائك ... فإذا الذي بينك وبينهم صداقة حميمة، وروحك القوية التي تغذيها دائما بالوسائل الروحية هي التي تمنعك من غش الناس وخداعهم، وروحك الصحيحة هي التي تتناغم مع معاملات الناس فتسعدهم وتسعد نفسك، وهي التي تجعل حياتك مع أسرتك وجيرانك وعملائك ناعمة لطيفة، كأنها الماكينة المزينة وبدونها تكون ماكينة جعجاعة؛ لأنها من غير زيت.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٩١