ومن هذا الغذاء الروحي صرفك كل يوم نحو نصف ساعة في آخر اليوم تحاسب فيه نفسك ماذا صنعت، وكيف تتجنب الأغلاط التي كانت. •••
إن كثيرين مغمورون إما بالعمل المتواصل في جمع العلم أو جمع المال، ولكنهم مع ذلك عبيد مطامعهم، وخير من ذلك كله أن يفرغوا بعض الوقت إلى أنفسهم، فذلك يضمن لهم سعادة أكثر من عملهم ومالهم، إن سكون الإنسان إلى نفسه غذاء روحي خير من العمل المتواصل وخير من جمع المال.
وهذا الغذاء الروحي إذا تغذيته صباح مساء، حملك على أن تعفو عن المسيء وأن تنظر إلى إساءته كأنها نتيجة طبيعية لبيئته وحالته، وتقدر أنك لو كنت مكانه لك مزاجه ولك بيئته لفعلت فعلته.
والغذاء الروحي يخفف من مطامعك، ويجعلك ترضى عما حدث في يومك في مأكلك ومشربك وعملك وما قابلت من أناس، ويجعلك تختم يومك عند محاسبتها بأنه كان يوما سعيدا يضاف إلى حلقة الحياة السعيدة.
ويخطئ من ظن أن المال وحده يسبب السعادة، فإن كان المال عاملا من عوامل السعادة يساوي عشرة في المائة، فالحالة النفسية تسبب من السعادة التسعين في المائة الباقية، وكم من الناس نراهم يجدون وراء الربح وقد بلغوا منه مبلغا عظيما، ومع ذلك هم أشقياء بروحهم ونفسهم!
ويحكون أن سليمان - عليه السلام - أوتيت له كنوز الأرض، وبنيت له قصور فخمة، ومع ذلك كتب يقول: إن هذا كله عبث، ولا قيمة إلا لسعادة الروح.
وربما كان قلب الطفل أسعد حالا من كثير من الناس، فإنه يبتهج لطلوع الشمس، ويبتهج للعبه الصغيرة يلعبها، ويبتهج للألعاب الرياضية، ويعجب من الطير تطير في السماء، ويفرح للمناظر الطبيعية الجميلة، من منظر بحر، ومنظر جبل، فإذا نحن كبرنا فقدنا هذه العواطف الجميلة، وجفت نفوسنا لعدم غذائها، وإذا حضرتنا الوفاة تبين لنا أننا كنا نعيش في أوهام. •••
ولا شيء يغذي الروح أحسن من الحب بمعناه الواسع، فحب الخير للناس، وحب المناظر الجميلة، وحب كل شيء جميل، وحب إسعاد الناس ما أمكن، كل هذا غذاء.
إن بعض الناس منحوا من الملكات ما يجدون معه في كل شيء غذاء لروحهم، في الزهر ونضرته، والماء وجريانه، والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا غشاها ...
وبعض الناس يرى أن هذا خيال فاسد لا يهمهم إلا المال وجمعه، أو الشهوات وإرواؤها، أولئك قد عميت قلوبهم كما عميت في بعض الناس أبصارهم.
إن الحياة الروحية تجعل لكل شيء طعما جديدا غير طعمه المادي، فتجعل للعلم طعما، وللمناظر طعما، وللعواطف طعما، لا يدركه إلا من ذاقه، وهو بهذا الطعم يجد في الوحدة أحيانا لذة قد لا تقل عن لذة الاجتماع بالناس؛ لأن نفسه الروحانية ليست فارغة فراغ النفس المادية.
ومن الأسف أن العالم اليوم قد كسب كثيرا بمخترعاته وصناعاته، ولكنه أيضا خسر كثيرا في روحانيته ومعنوياته، ولو رقى قليلا في روحانيته ما كان هذا الصراع العنيف بين الأمم، ولا كانت حروب قاسية ولا قنابل ذرية غاشمة ...
إن العالم لا يصح إلا إذا تعادلت فيه يده وقلبه وعقله، فإذا اختل توازنه فيها زاد شقاؤه، وليس له علاج إلا أن يبحث عن منهج تتعادل به هذه القوى الثلاث ثم يسير عليه.
| أمي!
كانت أمي منوفية، وامتاز المنوفيات ببدانة الجسم وقوته وفراعته، وكذلك كانت، ولم يكن بها من عيب إلا قصر نظرها، وهو ما ورثته منها، وكانت أمية، ولم تكن القراءة قد فشت في البنات؛ لأن الناس كانوا يسيئون الظن بهن، ويعتقدون أنهن إذا علمن كاتبن عشاقهن برسالات الغرام، فبقاؤهن على الأمية أحصن لهن، ومن قديم ينصحون لهن أن يلزمن بيوتهن، وإذا تعلمن فإنما يتعلمن الطبخ والنسج، ومن تشجع من الناس علمهن القراءة ليعرفن قراءة القرآن ويروين الحديث، وهكذا نصح أبو العلاء المعري النساء فقال:
علموهن الغزل والنسج والرد