تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك نرى أن أساليب الاستعمار قد تعفنت وحمضت، ولم تعد صالحة لسياسة الأجيال الجديدة، ولا معدى الآن من أن يغيروا سياستهم إلى سياسة جديدة وفقا للأجيال الجديدة.

ألا ترى أن المرأة اليوم إذا لبست ثياب القرون الوسطى بل ثياب القرن الثامن عشر كانت أضحوكة!

فما تعمله السيدات لتجاري الأزمان، فتقص شعرها بعد أن كان طويلا، وتغير أزياءها من حين إلى حين، يجعلها أعقل من أولئك السياسيين ... لأنها فهمت ما لم يفهموا وتأقلمت أكثر مما تأقلموا.

إن الثورات الحديثة الكثيرة، سببها عدم الانسجام بين عقلية الناس وعقلية الساسة! ... يريدون أن يركبوا جملا أو حمارا والزمن زمن سيارات وطائرات، ويريدون أن يخيفوا بجعجعتهم من لم يخافوا بالسيوف والمفرقعات. •••

والواجب - منعا لهذه القلاقل الدائمة - أن يغيروا المدارس التي تخرج السياسيين ككلية (إيتون)، ويضعوا من أول برامجها دروسا في الأقلمة، فالجامعة السياسية كما قال قائلهم هي التي تكسب الحرب، ولكن نضيف إليها أنها هي أيضا التي تخسر الحرب بجمودها وعدم مواجهتها للظروف، أيظنون أن تجريد الأسطول وإطلاق مدافع يحل المشكلة المصرية؟ هذه عقليتهم، ولكن الواقع أنها لا تحل المشكلة بل تعقدها، قد كانوا من قبل كما قال قائدهم يطفئون النار ببصقة، ولكن النار التي كانت تنطفئ قبل اليوم ببصقة لا تنطفئ اليوم بمدافع رشاشة ولا بطائرات نفاثة، وإنما تنطفئ بالحكمة، وهي مع الأسف ليست عندهم ...

| الابتكار

الابتكار مصدر ابتكر الشيء، إذا اختراعه بعد أن لم يكن، وهو في الماديات كثير، كاختراع الراديو، واختراع التليفون، و«الثلاجة الكهربائية» ونحو ذلك.

وهو يكون أيضا في العلوم، فعلم الطبيعة والكيمياء والرياضيات اليوم غيره بالأمس، وهو غدا غيره اليوم، ويكون أيضا في المعاني، فالشاعر الجيد من ابتكر بخياله معاني جيدة لم يسبق إليها، وقد يوفق في ذلك إلى عدد محدود، وقد قالوا: إن أبا تمام ابتكر نحو عشرين معنى جديدا، وهو بهذا مكثر، فإن أبا الطيب المتنبي ابتكر نحو خمسة معان، وهكذا وهكذا.

ومما يعاب على الشرقيين أنهم أقل ابتكارا من الغربيين، وأنهم أكثر تقليدا منهم، وذلك في أكثر فروع العلم والفن، ففي الأدب مثلا لا تزال موضوعاتهم هي المديح ونحوه من موضوعات الأدب الجاهلي، والأوزان لا تزال هي الأوزان التي جمعها الخليل بن أحمد، وحصرها في ستة عشر وزنا، والفقه قد أقفل أصحابه باب الاجتهاد، والفلسفة هي فلسفة اليونان تقريبا، والآلات والأدوات التي نستعملها في بيوتنا هي المخترعات الأوربية، وقل أن نجد مخترعا جديدا.

والمصلحون إذا أتوا بجديد نكل بهم أشد تنكيل، وعذبوا أشد عذاب، وملئت بهم وبأتباعهم السجون، كما فعل بمدحت باشا، والسيد جمال الدين، وخير الدين التونسي، وغيرهم، فما السر في ذلك؟

يظهر أن السر في ذلك يرجع إلى أمور كثيرة؛ منها: أن الجو الحار الذي يعيشون فيه يبعث على الخمود، والخمود يبعث على الكسل، والكسل عدو الابتكار؛ ولذلك لما تغيرت البيئة على المهاجرين إلى أمريكا جددوا في الأدب مثلا بعض الشيء، كما فعل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وأمثالهما، واعترضوا على هذا بأن الأندلسيين حكموا قرونا وكانت بيئتهم أبرد غالبا، ومع ذلك كانوا عالة على الشرق يقلدونهم ويحتذون حذوهم، فوجب أن يكون هناك سبب غير هذا، وقد يكون السبب أنه غلب على المسلمين منهج المحدثين من عهد المتوكل على الله إلى اليوم، ومنهج المحدثين منهج اعتماد على النقل أكثر من الاعتماد على العقل، فخيم هذا المنهج على عقول المسلمين في كل فرع من فروع العلم، حتى كانت حجتهم في صحة نظرية أنها وردت في بعض الكتب، ومنها أنه لم يرزق المسلمون بشخصيات جبارة تحتذى، كما رزق الغرب، أمثال ڤولتير ولوثر، ولو رزقوا مثل هؤلاء لقلدوا، ولكننا نتساءل أيضا: لماذا لم يرزقوا بأمثال هؤلاء الجبابرة؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٩٠