تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الغريب أنهم أتعبوا الفرنسيين عند احتلال بلادهم، وكانت كل يوم تقوم ثورات حتى لم يهدأ للفرنسيين بال إلى أن خرجوا، ولم يكن ذلك عند الاحتلال الإنجليزي، ولعل السبب في ذلك دهاء الإنجليز ونعومة استعمارهم، وتفريقهم بين ما يجرح الإحساس وما لا يجرح، وتركهم المصريين أحرارا في عاداتهم وتقاليدهم ودينهم ونحو ذلك، فلما جاء البطل الثاني مصطفى كامل وسع موجة الشعور الوطني من خاصة الخاصة إلى رجل الشارع، وبصر المصريين بألاعيب الأوربيين وخصوصا إنجلترا، وكان سيئ الظن بكل حركة يتحركونها، وجاهد في سبيل ذلك جهادا عظيما، فلما مات نبض بموته قلب كل مصري، كما يقول قاسم بك أمين.

وجاء سعد زغلول فزاد الشعور القومي التهابا ... ولم يقتصر التهاب الشعور على سكان المدن كالقاهرة والإسكندرية، بل تعداه إلى الفلاحين وأصحاب الجلاليب الزرقاء، وتجاوب سعد مع المصريين؛ إذ كان فلاحا مثلهم وخطيبا بليغا يعرف مواطن القول وأفانين الكلام، ويعرف نفوس الشعب وما يؤثر فيه.

ودرس آخر علمه للمصريين، وهو ألا يكترثوا بالتهديدات وألا يعبأوا بها، وقد هددته إنجلترا بالنفي فقبله عن رضا واطمئنان، وأطلقت المدافع الرشاشة وغير الرشاشة فكان يحمس الشعب ويدعوهم إلى الاستهانة بكل هذه التهديدات، على حين أنه كان وجود مركب واحد من الأسطول الإنجليزي في المياه المصرية كافيا لحل عقدة، مع أن وجود الأسطول كله في المياه المصرية أصبح في عهده لا يحل أي مشكلة! ولو دمرت البلاد كلها!

وأكثر من ذلك أن الشعب أصبح يفهم في وضوح أساليب الاستعمار، فإذا أراد الاستعمار أن يدخل وسط المصريين ليفرق بين قبطييهم ومسلميهم، فهم هذه الألعوبة بوضوح وقضى عليها، ونادى الأقباط بالاستقلال كما نادى المسلمون، وإذا أرادوا أن يستغلوا حادثة اعتداء على أجنبي ويكبروها ويهللوا لها، قضى على استغلالهم وقاوم ضجيجهم ونادى بحرمة دم الأجنبي وماله، وهكذا ... فما وصلنا إليه اليوم ليس إلا نتيجة لتوالي الأحداث وتربية الشعور القومي على يد هؤلاء وأمثالهم ومرور الحوادث الكثيرة عليهم حتى فهموا أساليب الاستعمار وألاعيبه.

واليوم أصبح المصريون لا يقدمون على عمل ثم يقولون: لتكن النتيجة ما تكون! بل هم لا يقدمون على عمل إلا قدروا نتائجه ودرسوا احتمالاته وقرروا لكل احتمال نتيجة، ووضعوا خطة لحلها، نعم إن الشعور القومي المصري لم يكتمل تماما، ففيه عيوب ... ومن عيوبه زيادة القول على العمل، وعدم المعرفة الواسعة لحالات الدول الأجنبية وعلاقاتها وتصرفاتها، ومنها المغالاة في الحزبية، وعدم سعة الصدر للوطني المخالف مهما أتى من جيد الأعمال إلى غير ذلك، ولكن على العموم نحن اليوم أنضج من أمس وستعلمنا الأحداث أن نكون غدا أنضج من اليوم، وقد صرنا لا نهاب الموت إذا كان، ولا نتفرق إذا دعت الحال للاتفاق، ولا نخاف مهما كان التهديد. •••

ونغتبط كل الاغتباط إذا قارنا بيننا اليوم وبيننا أيام عرابي، ولكن لا يمنعنا اغتباطنا من أن ننظر إلى من تقدمونا في الوطنية فنحذو حذوهم ونسير سيرهم، وأذكر أن برنارد شو - رحمه الله - سئل يوما: «ماذا يفعل المصريون لنيل استقلالهم؟» فقال: «يجب عليهم أن يعملوا كما عملت إرلندا»، هذا والإرلنديون بريطانيون بالمعنى الواسع ... فما بالنا ونحن أمة نختلف في الجنس والدم والدين واللغة؟ وحقنا أوضح من حقهم!

كل الذي يلجئنا إلى هذه التضحيات وما نناله من كوارث إنما سببه أن عقلية قادة السياسة المستعمرين من إنجليز وفرنسيين وأمريكيين لا تزال جامدة على أساليب القرن التاسع عشر، لم تتغير بتغير الأزمان، ولا يزالون يفهمون أن القوة الحربية هي كل شيء، وأنهم متى قدروا عليها استطاعوا أن ينكلوا بالأمم المغلوبة، وأن العدل والإخاء والمساواة ألفاظ جوفاء لا تقال إلا ضحكا على الذقون أو عندما يريدون الانتفاع من المستعمر أو عندما تتأزم الأمور، فإذا زالت هذه الظروف فلا عدل ولا مساواة، إنما هو تنمر، وظلم واستبداد! لا فرق عندهم بين حزب المحافظين وحزب الأحرار، ولا فرق بين سياسي قديم وسياسي جديد!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٨٩