تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الحركة ما زالت في بدئها ولكن من المحتم أنها ستقوى ثم تقوى حتى تكتسح العقلية القديمة والزعماء القدماء وتنصب عليهم زعماء جددا من جنس ميولهم.

إن زعماء اليوم في غفلة من أمرهم يقادون من ذقونهم بتعاليم موظفي وزارة خارجيتهم وهي تعاليم قد تعفنت ولم تعد صالحة لزماننا ... وإلا فلو سأل كل زعيم نفسه: ماذا تجني من الحرب، وماذا تخسر؟ ولماذا نستعمل السلاح حيث يمكن أن نستعمل الحجج المنطقية؟ ولماذا نتحارب وقد كان يمكننا أن نلجأ إلى هيئة تحكيم تنصف المظلوم؟

لو سأل كل زعيم نفسه هذه الأسئلة لم يتردد في أن يرى أن الحرب وخيمة العواقب للغالب والمغلوب بل للغالب أكثر منها للمغلوب ... وأن دم إنسان واحد يسفح على الأرض أعز من الدنيا وما فيها ...

ثم كيف نطمئن إذا كان هناك دولتان متحاربتان إلى أن الغالبة منهما هي المظلومة لا الظالمة؟ بل كثيرا ما يحدث العكس.

ولقد مر على الناس هذا الدور بالنسبة للأفراد، فكان من أخذ حقه يستعيده بالقوة، إما بسفك دمائه أو مصارعته أو نحو ذلك، ثم تقدم الناس فلجأوا إلى المحكمة بدل أخذ الحق باليد، علما بأن المحكمة تقضي بالعدل ولا تغلو في سلطتها فتأخذ من الظالم للمظلوم أكثر من حقه، فما بالنا لا نفعل ذلك بين الأمم؟!

لقد بدأ الناس يفهمون ذلك؛ إذ أسسوا محكمة العدل في لاهاي وهيئة الأمم في أمريكا، ولكن ظلت الهيئتان بدائيتين تنتظران أن تسندهما الشعوب فيكون لهما من السلطان ما لمحاكم الأفراد على الأفراد. •••

مما يؤسف له أن الشباب قد كفر بكل شيء: كفر بالدين، وكفر بالدنيا، وكفر بالزعماء، والسبب في كفرهم بالدين أن زعماء الدين شوهوه ولم يمكنهم عرضه عرضا يوافق عقل الشباب، وكفرهم بزعماء الدنيا يرجع إلى أنهم لم يستطيعوا أن يملأوا عقله وقلبه، وخير الزعماء من ملأهما، إنما ملأوه خداعا ونفاقا وكذبا، وهذه الأشياء كلها قصيرة العمر كما قيل:

ثوب الرياء يشف عما تحته

فإذا ارتديت به فإنك عاري

وإذا كشف الرياء في الزعيم سقط إلى لا رجعة وتبين الشباب أنه مخدوع، وأن الزعماء إنما يريدون أن ينهضوا على كتفيه إلى الحكم لا إلى الإصلاح، فإذا وصلوا إليه تنكروا له وعبسوا في وجهه، فأخذوا حذرهم وصاروا يريدون من الزعيم التضحية لا الاستغلال، ومنفعة الشعب لا الانتفاع، وسيظلون في اضطراب وقلق حتى يصلوا إلى غرضهم ...

| شعورنا الوطني لا تطفئه المدافع الرشاشة

كان الشعور عند الناس في عهد عرابي شعورا بدائيا، لا يتحمس كثيرا لدفع عدو أو جلب منفعة عامة، وكن من صفاته الغرور ... فالناس كانوا يعتقدون أن العدو مهما قوي، فالمصريون قادرون على صده، وأن البيرق النبوي لو نشر كان كافيا لدحض كل قوة، يظهر ذلك عند حروب مراد بك لنابليون، وما قاله مراد بك من ألفاظ استهتار ... يضاف على ذلك محاربتهم بالأدعية والخرافات، فكان علماء الأزهر، كما قال الجيرتي، يحاربون بقراءة البخاري، وامتلأ الناس عقيدة بانتصار المصريين؛ لأن فرخة باضت بيضة زعموا أنه مكتوب عليها: «نصر من الله وفتح قريب».

وأهديت لعرابي باشا ثلاثة مدافع خشبية، زعموا أن أحدها للسيد البدوي، والثاني لإبراهيم الدسوقي، والثالث لسيدي عبد العال ... وأنها قادرة على أن تزلزل أقدام إنجلترا بمدافعها وقنابلها، وعرابي باشا نفسه لم يكن يكترث بهذه الحروب اكتراثا كبيرا بدليل أنه لم يحصن البلاد تحصينا كافيا، والوعي القومي كان مغفلا ... فمثلا كان عبد الله النديم يزعم أن الأسطول الإنجليزي كان محاصرا بين قبرص التي هي في مملكة الأتراك والإسكندرية المصرية، وأنه إذا أطلقت القنابل من قبرص والإسكندرية فتكتت بالأسطول البريطاني، والناس يصدقونه في قوله.

وعلى كل حال كان الوعي القومي محصورا في عدد قليل إلى أن حلت كارثة الاحتلال بسهولة، وفضلا عن ذلك، كانت حيل الأوربيين ودسائسهم تجوز عليهم وتؤثر فيهم، فإذا أرادوا أن يحركوهم ويهيجوهم هاجوا، وإذا أرادوا أن يهدئوهم هدأوا، نعم قوبل الاحتلال بشيء من المقت والبغض، ولكن لطف منه اعتقادهم أنه قدر سلطه الله عليهم؛ لذنوبهم. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٨٨