تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد يكون هذا المنهج مرا، ولكن عاقبته حلوة، والطبيب الذي يعطيك المر فتشفى خير من الطبيب الذي يعطيك الحلو فيستمر مرضك.

| لماذا كفر الشباب بالزعماء؟

الشباب دائما عماد كل زعيم في القديم والحديث؛ لأنهم كما قال أبو العتاهية: رائحة الجنة؛ قويت عضلاتهم، واشتدت سواعدهم، وتفتحت آمالهم، ولأنهم من ناحية أخرى لم يتحجروا كما تحجر الشيوخ، فهم أقبل للدعوة الجديدة وأحرص عليها، وأسخى تضحية في سبيلها؛ لذلك كانوا عماد الزعيم في كل عصر.

وكلما كان الزعيم شابا مثلهم كانوا له أطوع؛ لأنه إذ ذاك يشعر بشعورهم ويحس بآلامهم ويأمل آمالهم، أما إن كان شيخا هرما فله جيله ولهم جيلهم، وله تعاليمه ولهم تعاليمهم، إلا إن كان سابقا لزمنه كما هو الحال في بعض الزعماء فيكون قد جمع بين بعد المدى وسعة العقل وكثرة التجارب، فهم مع مناسبتهم لجيلهم أكثر اندفاعا، فإن كان الزعيم تقدميا استطاع أن يحمسهم ويقلل من اندفاعهم ويكون جامعا بين المزيتين اللتين تأوه منهما إسماعيل صبري؛ إذ قال:

أواه لو عرف الشباب

وآه لو قدر المشيب

وبذلك استطاع مصطفى كامل وقد كان في ريعان شبابه أن يصرخ في الشباب أمثاله فيحمسهم وينفخ فيهم من روحه ويخلق منهم وطنيين بعد أن لم يكونوا.

أما الهرم فتنقصه عوامل كثيرة تقلل من زعامته، مثل تبلد شعوره غالبا وحذره من العواقب غالبا وعدم فهمه جيلا غير جيله غالبا ... وبذلك يكون في الأغلب مقودا في شكل قائد، ومتخلفا في شكل زعيم ... أتيحت له ظروف الزعامة ولكن لم يتصف بصفتها.

ثم إن الشباب في زماننا حائر كل الحيرة مضطرب أشد الاضطراب، يتحمس ولكن لا يعرف أين يتجه، ويطمح إلى تغيير ما هو فيه ولا يدري ماذا يجب أن يكون فيه، وإذ ذاك يصح جدا أن يكون عنده الاحتراق بالنار خيرا من الحيرة التي تستولي عليه، فمن حسن حظه أن يوفق إلى زعيم ينفي حيرته ويهدئ اضطرابه ويوجهه الوجهة الصالحة.

وهو في حاجة إلى عقل يقوده، ويحتاج أيضا إلى شعور يحمسه، وعاطفة تلهبه، وفي العادة يكون الشيوخ أكبر عقلا وإن كانوا أقل شعورا وعاطفة، فلا يفلحون في قيادته؛ لأن الشباب عادة يصغى إلى العاطفة أكثر مما يصغى إلى العقل، وتستهويه الخطب الرنانة أكثر مما تستهويه الحكم الهادئة. •••

ومن الأسف أن زعماء العالم اليوم يسيرون حذو زعماء الأمس؛ لأنهم مؤمنون بأساليب السياسة القديمة ويخضعون لتعاليم الوطنية التي هي إرث من القرن الماضي، وهذه كلها غير صالحة اليوم؛ لأنها تكشفت عن عصبيات بغيضة وعن سفك للدماء من غير حساب، وعن حروب متوالية متتابعة، تتدرج تدرجا تصاعديا وتتضاعف ويلاتها كما تتضاعف عملية الربح المركب، وهذا كله غير صالح لزماننا.

إنما يصلح لزماننا زعماء يؤمنون بالإنسانية بدل القومية ويقودون الشباب لخدمة المجتمع الإنساني كله.

والفرق بينهما كالفرق بين تعاليم المسيح ومحمد من جهة، وتعاليم هتلر من جهة أخرى، إن هذه الزعامة بحق هي التي تناسب العصر، وليست تنجح هذه الدعوة إلى الإنسانية إذا أحيطت بدعوات قومية؛ لأنها تكون كرجل أعزل بين مسلحين، فهو معرض دائما لخطرهم، إنما تجدي هذه الدعوة عند ما يتعاون الزعماء كلهم على نشر الأمن والدعوة إلى الإنسانية.

وقد كان الزعماء السياسيون يؤمنون بألفاظ جوفاء كالاستعمار والانتداب والمحافظة على النظام، وكانت الشعوب تبيع أنفسها بيع السماح لمثل هذه الدعوات!

أما اليوم فأصبحت الشعوب أرقى من قادتها وأعقل من زعمائها، لا يسمحون لأن يقادوا قيد الأغنام وهم اليوم لا يحبون أن يسموا رعية ويسمى الزعيم راعيا، بل يريدون أن يسموا مواطنين وزعيمهم مواطنا أيضا ... لذلك وجدنا في كل شعب شبانا يخرجون على الزعماء ويدعون للسلام؛ كي يروا العالم آمنا مطمئنا لا يروعه شبح الحرب، ويكرهون أن يروا حكامهم ينصرون الرأسماليين ويخضعون لأوامر صانعي الأسلحة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٨٧