تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا لنود مخلصين أن تكون جمهوريتنا الأولى واضعة الأساس الأول، وأن تكون جمهورية لفظا ومعنى ... إن الجمهورية تحتاج إلى سند قوي متين كما كان الملوك يحتاجون إلى سند قوي متين، إن الملوك استعانوا بالمنافقين من رجال الدين يسبحون لهم ويكبرون، واستعانوا برجال الحكم يخضعون لهم ويقبلون أيديهم نظير نشوب أظافرهم في أعناق الناس، والجمهورية الصحيحة تحتاج إلى مساعدة من الصحافة، تقف موقف المحامي النزيه والقاضي العدل، فتخطئ ما رأت من الخطأ، وتؤيد بشجاعة ما ترى من صواب، وتنقد في قوة ونزاهة، كما تحتاج إلى معونة رجال الفكر والقلم يوجهون رجال الحكم في الجمهورية الوجهة الصحيحة، ويخذلون تصرفاتها السقيمة. •••

لم تقم الحكومة من الحكومات في أي شكل من أشكال الحكم إلا بالاعتماد على الرأي العام، ولا قيمة للرأي العام إلا إذا كان حرا نزيها لا يطبل ولا يزمر لكل حاكم في دولته، بل يقول لا، في موقف لا، ونعم في موقف نعم.

أظن أننا لا نحتاج في تعودنا حكم الجمهورية إلى زمن كالذي اجتزناه في الخضوع للملكية؛ فقد أصبح الزمن أسرع والأمم أوعى وأصبح العالم كوحدة من سرعة التنقلات والإذاعات ... فكل ما يجري في أمة يعلمه العالم ويؤيده أو ينقده ويشجع على بقائه أو فنائه، وهذا ما يجعلنا نحس مسئوليتنا، فلسنا في جانب منعزل نعمل كما نشاء وننتظر حكم الزمان كما يشاء، إنما أمورنا مكشوفة لنا ولغيرنا معرضة للحكم منا ومن غيرنا، ولا قيمة في ذلك للألفاظ الجوفاء والعبارات الصماء إنما القيمة للعمل، فالعمل العمل، والله الموفق.

| غيروا مناهج الفن والتاريخ يتحقق لكم السلام

جرى العالم إلى الآن شرقيه وغربيه على أن يكون الفن في خدمة الحرب، فمن قديم استخدمت الموسيقى في الجيش لتعزف أمام الجنود تحمسهم للقتال وتنسيهم أنفسهم في المعارك، علما منهم بأن الموسيقى تفعل في العواطف ما لا يفعل غيرها، فالموسيقى - كما فعل الفارابي - في يد الفنان قادرة على أن تضحك وتبكي وتوقظ وتنيم ... كما فعل في مجلس سيف الدولة؛ إذ عزف على قانونه - كما يروون - فأضحك، ثم عزف فأبكى، ثم عزف فأيقظ، ثم عزف فأنام، ثم خرج وترك سامعيه نائمين، ونحن إلى الآن نشاهد ذلك، فموسيقى مرحة كالجاز باند، وموسيقى حزينة كأنغام الصبا، وليس هذا شأن الموسيقى وحدها ... بل كل الفنون من آداب وشعر وخطب وتصوير ونحت، قادرة على خدمة الحرب وقادرة على خدمة السلام.

فالمصور يستطيع أن يصور عينا تبكي فتبكي، وعينا تضحك فتضحك ... وقد حكوا عن ابن نباتة أنه كان في الحروب الصليبية يهيئ الناس للحرب فيحاربون، وكان عبد الملك بن مروان مترددا يوما بين أن يحارب وألا يحارب، فما هو إلا أن خطر على باله بيتان من الشعر فتحمس وخرج يدعو للقتال ... ومثل هذا روي عن أبي جعفر المنصور، والشواهد كثيرة على أن الفن ظل قرونا في خدمة الحرب ونجح في ذلك.

واليوم أدعو إلى استخدام الفن في خدمة السلام، فبدلا من إثارة الموسيقى لعواطف الحرب، تثار لعواطف السلم ... وكذا الأدب والتصوير، وهي نظرية لم تجرب إلى اليوم، فالدعوة السياسية للسلم لا تفيد إلا إذا دعمت بالفنون، ولو أراد العالم السلم الحقيقي لأمكنه ذلك بشيء واحد، وهو تغيير برامج التعليم وتغيير المناهج في التاريخ والفن ... فبدل إشعال نار الوطنية في نفوس الطلبة وحكاية الانتصارات والانكسارات في الحروب وتعويد الأطفال الفرح بالمدافع في العيد والفرح بالمفرقعات، تحكى الأعمال العظيمة التي عملت لنشر المدنية وحمايتها، وكذلك الأدب والفنون، وتأسيس العلاقات بين الأمم على أساس إنساني لا على أساس قومي.

ولا شك في أن رؤية المناظر الطبيعية التي تشعر بالضعف الإنساني، كمنظر غروب الشمس في البحر أو منظر الجبال العالية المكسوة بالثلج تجعل الإنسان أقرب إلى السلم منه الحرب، وما علينا إلا أن يتعاون علماء الموسيقى وعلماء النفس على تقييد النغمات التي تبعث على السلم وتعليمها وإذاعتها ... ولا شك أن الأمة التي تشيع فيها النغمات السلم تكره الحرب، ولكن إذا أنت ضربت على الطبل نغمة قوية مثيرة هاج الناس بالقتال. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٨٤