وقلدهم الأغنياء فخضعوا للملوك ليستذلوا بقية الرعية، وبذلك انقسم الناس إلى طبقات يستعبد بعضها بعضا ... فحملت الجمهرة الكبرى من الشعب ممن فوقهم أثقالا فوق أثقال.
وجاءت أخيرا الجمهورية التي لا عهد للناس بها ... والجمهورية في أسمى معانيها ترمي إلى أن يكون الناس سواء، لا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل الصالح، وأن يقال للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت، وأن تقدر الناس بالكفاءات لا بالرتب، وهي تتطلب مطالب عسيرة لا عهد لنا بها، تتطلب انتباه الوعي القومي حتى يميز جيدا بين الحسن والسيئ، وتتطلب تغيير العلاقة بين الحاكم والمحكوم: لقد كان المحكوم ينظر إلى الحاكم كما ينظر الطير إلى صائده، وينظر الحاكم إلى المحكوم كما ينظر الصائد إلى الطير والمستغل إلى الغلة، والجمهورية تتطلب أن يزول كل ذلك، وتحل محله نظرة الأخ إلى الأخ، وتتطلب أن يؤدي كل واجبه في أمانة وإخلاص، وأن ينظر الحاكم إلى أن الوظيفة تكليف لا تشريف، وأنها عبء ثقيل عليه يتمنى لو حمل عبئها غيره واستراح، وأن يكون من تنبه الوعي القومي ما يستطيع معه الرجل الصغير أن يقول للرجل الكبير: أسأت أو أحسنت في أدب ولباقة، ومن لنا بكل ذلك بعدما عانيناه آلاف السنين إلا بمشقة كبيرة وتربية جهيدة. •••
وعلى ذكر ذلك نرى أن الجمهورية في أشد الحاجة إلى تغيير مناهج التربية وأساليبها وتعاليمها ... فقد تعودنا أن نبني التاريخ على الملوك، وأما الشعب فمهمل في كتبه، ولذلك نقلب صفحات التاريخ فلا نرى إلا ملوكا يسالمون أو يحاربون، ويقتلون أو يصادرون، ولا يرتفع صوت لتنبيههم إلى أخطائهم، وبين جملة من الصفحات نرى فلتة من الفلتات تشير إلى الشعب ... فما أحوجنا إلى كتب تعلم الشعب أنه هو كل شيء والحاكم ليس إلا خادما له، أو كتب في التربية تنشئ التلميذ من الصغر على أنه إنسان ذو حقوق وواجبات يطالب بحقوقه ويثور لها إذا أهملت، ويؤدي واجباته على أكمل وجه، لقد سمعت أن أميرا قريب العهد أراد أن يجرب مدفعا وأمر بإطلاقه، فقيل له: إنه إذا أطلق هكذا قتل بعض الناس، فقال: «وهل نحن استلمناهم بعدد؟!» كأنهم سلع لا قيمة لها!
لقد بلغ من ذلنا واستبداد الملوك بنا أن ضاعت نفوسنا في الداخل وصغرت قيمتنا في الخارج، فكان المسافر منا يذكر أنه مصري في ذلة وخضوع، ويحس كأن وصمة علقت به، فسيكون من أثر الجمهورية الصالحة عزة النفس وارتفاع الرأس والإحساس بأنه إذا قال: أنا مصري، كان ذلك فخرا له وعزة لنفسه.
إن الجمهورية حرية، ولكنها حرية مقيدة بالعمل للمصلحة لا فوضى يفعل الإنسان فيها ما يشاء.
لقد كان الملوك يظنون أنهم ملوك إلى الأبد، وأنهم إن أدركهم الموت خلفهم أبناؤهم وأبناء أبنائهم إلى القيامة، وأنهم لا يسألون عما يفعلون، وأنهم ليسوا في حاجة إلى حكم الشعب رضي أم سخط، أما الجمهورية فمن أهم فضلها أن رئيسها يعتقد أنه من الشعب، وأن بقاءه رهن برضا الشعب ... لأنه يعرف أن الناس إن سخطوا عليه لم ينتخبوه ثانية، وإنما ينتخبون من يظنون أنه يحقق مطالبهم وينشر العدل بينهم - والعدل يراعى من الجانبين: الحاكم والمحكوم - فهو لا يستند إلى أسرة عريقة تصعب إزالتها وإنما يستند إلى رضا الشعب الناشئ من العمل الصالح. •••
والعالم سائر من الملكية إلى الجمهورية، وكل يوم نسمع أن ملكية سقطت، وحلت محلها جمهورية بسبب تعسف الملوك وتنبه الرعية، وحتى ما احتفظ منها بالملكية كإنجلترا إنما احتفظت بها؛ لأن الملك فيها يملك ولا يحكم، فهي ملكية في الظاهر جمهورية في الحقيقة.
وأسخف أنواع الحكم حكومة تتسمى بالجمهورية وتتصف في الباطن بالملوكية، فتعسف وتظلم وتجور وتستبد، ولا يبقى لها من الجمهورية إلا اسمها، وما فرحنا بالألفاظ إذا ساءت المعاني؟!