تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الموسيقى السلمية ترهف العاطفة وترقق الذوق، ومن به ذوق سليم وعاطفة صحيحة ينفر من الحروب ويعدها قلة ذوق، حتى في الحياة العادية يكلمك إنسان بصوت غليظ فيستثير عاطفتك الحربية، ويكلمك إنسان بصوت وديع رقيق فيثير عندك عاطفة الرحمة والإنسانية، ومن أجل هذا كان صوت النساء أدعى إلى الرأفة والعطف من صوت الرجال.

ومثل الموسيقى الفلسفة ... ألا ترى أن الفيلسوف إذا دعوته للحرب تخاذل؛ لأنه يوازن بين أثرها في الأرواح وبين مكسب الحرب فلا يجد شيئا يساوي قتل الأنفس؟ وهو يرى ببصيرته العواقب الوخيمة للحروب فيتراجع، كما قالوا: من أطال النظر في العواقب لم يتشجع.

وكذلك الشأن في الأدب ... استثر الأمة بقولك: إن العدو يهين كرامتك ويستغل ثروتك ويفسد عليك حياتك وأمثال هذه المعاني، تجد الأمة ثائرة مندفعة إلى الحرب، وقل لهم: إن العدو لا يريد من عمله هذا إلا الخير، تهدأ نفوسهم وتطمئن مشاعرهم، وأكبر مثل على ذلك الأناشيد؛ فقد اعتاد الناس أن يؤلفوا الأناشيد، دائرة حول التضحية بالدم والذود عن البلاد بإراقة الدماء فعملت عمل السحر، ولو ألفت الأناشيد بألفاظ ومعان رقيقة وموسيقى رخيمة لأنتجت العكس.

إن الفنون كلها تعتمد على الجمال، والذوق المؤسس على الجمال يرى في الحرب قبحا وفي السلم جمالا، والمعاني عادة تلبس أثوابا من النغمات، ومن الممكن إلباس المعاني الهادئة ثوبا هادئا يطمئن النفس ويهدئها، ويمكن إلباسها ثوبا جافا غليظا يشعل النار في النفوس ويهيجها .

وقد يقول قوم: إن كل أمة لها فنها الذي يختلف عن فنون الأمم الأخرى، ولكن ما ضرر هذا وكل فن يطلب منه أن يكون داعيا للسلم تفهمه أمته، والأمم جميعها تفهم فنونها السلمية.

لقد آن الأوان أن يدعو اليونسكو إلى شيئين: دعوة لاستخدام العلم في الإسعاد دون الإشقاء وفي البناء دون الهدم، ودعوة إلى استخدام الفنون في حب السلم دون الحرب، وفي إنماء العواطف الإنسانية لا القومية ... فإن لم يفعل ذلك حكم عليه بالفشل.

| لو كنت شيخا للأزهر!

هذا موضوع شائك، وماذا أفعل وقد عجز عن إصلاحه الشيخ المهدي، والشيخ محمد عبده، والشيخ المراغي، والشيخ عبد المجيد سليم ... هذا في عصرنا الحديث، وعجز مثلهم من كان قبلهم، لذلك كنت أتردد كثيرا في قبول هذا المنصب ... فإذا قبلته عملت، ما أمكنني، على إصلاحه.

وأول هذا الإصلاح أني أسائل نفسي: ما رسالة الأزهر؟

فأجيب بأن رسالته التعليم الديني العالي، ونشره في الأقطار الإسلامية، لذلك كان من البديهي أن أجعل الأزهر كلية جامعية فقط، تدرس الدين وتوابعه، فلا شأن له بالتعليم الابتدائي والثانوي ... فذلك تتولاه وزارة المعارف، وليس الأزهريون بدعا من الطلبة، فيجب أن تتوحد دروسهم مع طلبة المدارس المدنية أولا، ثم يتخصصون بعد ذلك للدين كما يتخصص غيرهم للهندسة والطب والحقوق، وبذلك أستطيع أن أبذل جهدي كله في التعليم العالي، غاية الأمر أني أعيد تجهيزية دار العلوم؛ لأنها كانت تعلم تعليما ثانويا على نمط خاص، وتتوسع في اللغة العربية وفي التاريخ الإسلامي وفي الأدب العربي اتساعا يجعلها بحق إعدادا للأزهر.

أما الأمر الثاني: فهو أن الأزهر منار للعالم الإسلامي، فيجب أن يكون منارا للخلق والعلم، فأجتهد أن أجعل الأزهر كما كان في العهد الماضي مطلوبا لا طالبا، ومعززا لا مستجديا وشيخه يقول الكلمة فترتج منها الحكومة، ويرتج منها العالم، وهذا يتطلب أمرين:

الأول:

بعد الأزهر عن السياسة، فالمنارة كالشمس تضيء للناس على السواء، وليس من الحق أن يناصر الأزهر سياسة ما، وخصوصا السياسة الحزبية، فإني أفهم الأزهر يناصر السياسة القومية لا الحزبية ، فإن الأزهر باق والأحزاب متغيرة، فليس من الحق أن ينصر الأزهر لأنه جارى سياسة ما، ويضطهد لأنه جارى سياسة معاكسة ... كما أنه ليس من الحق أن يتقلب الأزهر مع السياسة من حين إلى حين، فإن هذا يضعفه في رأي الناس.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٨٥