تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع كل ما عمل من إصلاحات، فأكثرها مع الأسف لم تتشربه أرواحنا، ألغينا الألقاب، ولا تزال على ألسنتنا الألقاب، واختفت الألقاب في المجلات والجرائد والمكاتبات الرسمية، وظلت في الأحاديث الخصوصية، ودعونا إلى غرس الأشجار، وتربية الدواجن تربية على أحدث طراز وغير ذلك من أنواع الإصلاح، ولكني أخشى أن يكون ذلك كله أمرا شكليا، وهندمنا الأرستقراطية وأحيينا الديموقراطية، ولكن، لا يزال في باطن الناس اعتبار أرستقراطية الغنى والمنصب والجاه، ولا زلنا في حاجة شديدة إلى أن نفهم معنى الديموقراطية الصحيح، وهذا طبيعي؛ لأن تغيير النفوس بين يوم وليلة محال، فلا بد أن يمضي زمن حتى تكره القديم وتألف الجديد، وأخشى ما أخشاه أن يتدرجوا إلى القديم شيئا فشيئا، بدل أن يتخلوا عنه شيئا فشيئا.

دق الطبول

لقد لاحظت آسفا أن دق الطبول كثير، وصوت المعارضة ضعيف، وهذا مما يؤيد قولي السابق: إن النفوس لم تتغير تغير الظواهر. وكان الظن أن كابوس الاستبداد قد زال بتحرير الأفكار، وإطلاق الألسنة المؤدبة بالنقد، ولكن حدث أن رجعنا إلى القديم، وأصبحنا كلنا طبالين زمارين، وهو شيء كما قلنا يؤسف له؛ لأن الحياة الصحيحة تبنى على أساسين متعارضين، لا على أساس واحد، وهما التأييد والمعارضة، وسير الأمة سيرا صحيحا من بينهما، وقد تعلمنا من تركيا درسا قاسيا وهو أنه قد أخفت صوت المعارضين، ولم يبح القول إلا للمؤيدين، ففشا الفساد واضطربت الأمور، وأدرك العقلاء خطأهم بعد حين، فهل يمكننا أن نتعلم من هذا الدرس؟

نعم: إن هناك عذرا للقائمين بالأمر، وهو أن الثورة والانقلاب عادة يضران بأناس كثيرين، أغنياء ضعف غناهم، وذوو سلطات غير مشروعة قلت سلطاتهم، ووجهاء فقدموا جاههم، وأصحاب مناصب كبيرة فقدوا مناصبهم ... كل هؤلاء وأمثالهم قد ينقمون على الانقلاب الذي حرمهم من امتيازاتهم، ويتمنون الفرصة التي تسنح لإعادة حالتهم إلى ما كانت عليه، بل قد يتعدون انتهاز الفرص، إلى الاشتراك في العمل المضاد، فمثل هؤلاء إذا أرخي الحبل لهم، عاثوا في الأرض فسادا حتى يعيدوا الأمور سيرتها الأولى، وإذا بنا في وضع سيئ كالذي كان.

إزاء ذلك لا بد من أن نقول كما يقول الفقهاء الأقدمون: «إن الضرورات تبيح المحظورات» وهذا قول صحيح، ولكن نقول مخلصين، كما قال الفقهاء أيضا: «إن الضرورات تقدر بقدرها» ليحسب حساب الخطر بقدره فقط، ويحسب حساب زمنه فقط، حتى لا تزيد معالجته ولا تنقص، وهذا مطلب عسير.

| جمهوريتنا الأولى

من كان يظن أن مصر التي حكمت آلاف السنين من عهد الفراعنة إلى اليوم بالملوك المستبدين - إلا قليلا منهم - تستطيع أن تتخلص منهم في عشية أو ضحاها وتنقلب جمهورية؟ لقد حكمها الملوك واستبدوا بأهلها وأذلوهم واستغلوهم، وكانوا كما قال أبو العلاء المعري:

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها

وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

كانوا ينعمون فيها بكل مظاهر الترف والنعيم ويستغلونها بكل أنواع العسف ويعدون مزارعها وقصورها من أملاكهم الخاصة، كما يعدون الناس عبيدا لهم، وكانوا يختارون من تخضع لهم رقابهم ويقبلون أيديهم وأرجلهم، ثم هم يحكمونهم في رؤوس الناس جزاء خضوعهم لهم، وأشاعوا أن الدم الذي يجري في عروقهم غير دماء الناس، وأنه دم إلهي اختاره الله لهم، واستحثوا العلماء على وضع الأحاديث التي تؤيدهم مثل: «السلطان ظل الله في أرضه»، ووجهوا خطباء المساجد أن يدعوا لهم على المنابر ويشيدوا بذكرهم، ويكفي الملك أن يتظاهر أمام الناس بصلاة الجمعة وباللعب بحبات السبحة حتى يلقبوه بالملك الصالح مهما يرتكب بعد ذلك من الآثام، ويكفي أن يمنحهم منحا قليلة ليسبحوا بحمده ويشيدوا بذكره، وما دروا أنه إنما يمنحهم عرق جبينهم أو عرق جباه أمثالهم، ومما استغله من أموالهم، حتى لقد أسسوا ملكهم على مدى الأيام وأصلوا سلطتهم على مدى الزمان فما كان أعظم ألقابهم وأروع نعوتهم، وأفسدوا الأدب واللغة فكان الأديب الكبير هو من تملقهم، والخطيب البارع من أشاد بذكرهم، وملئت اللغة بألفاظ الضخامة والفخامة ونعوت الذلة والخضوع ... ولذلك تأصلت في الأمة كل هذه الآثار، وبرغم إلغاء الألقاب والرتب، لا تزال تجري على ألسنة الناس، ولا بد من أجيال طويلة حتى تختفي «سعادتك وعزتك».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٨٢