تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطلاق مرتان

والطلاق الثلاث هو مرة من المرتين، ولما حد المسلم حد الشرب ورآه بعد ذلك قد تنصر والتحق بالقسطنطينية، آلى على نفسه أن لا يحد مسلما بعد ذلك أيام الحرب، وسرق مسلم من مزينة في أيام المجاعة، فأمر بحده ثم أمر برده، وألزم قبيلته أن تدفع ثمن الفاقة، وقال: إنكم أجعتموهم فسرقوا. إلى كثير له من أمثال ذلك، فكان كما قلت، يدير الحكم على حسب العلة، فإذا لم تتحقق العلة لم يحقق المعلول.

ومجلس الشورى كان يفعل مثل ذلك في الأندلس؛ فقد واقع عبد الرحمن الناصر زوجته في رمضان، فأفتاه بعض العلماء بتحرير رقبة كما هو الترتيب في الكفارة، فأبى يحيى بن يحيى الليثي رئيس جماعة الشورى عليه ذلك؛ نظرا لأنه أمير وغني ومن السهل عليه أن يحرر رقبة، فلا بد من عقوبة رادعة، وهي أن يصوم ستين يوما بدل اليوم الذي أفطره؛ تحقيقا لمقصد الشريعة، فالاجتهاد الذي نريده من هذا القبيل، فإذا جد للمسلمين موقف درس موقفهم بعينين:

إحداهما: مقاصد الشريعة الكلية. والأخرى: موقف المسلمين الحاضر. وفي كل عصر تجد مسائل تحتاج إلى هذا الاجتهاد، بدليل ما كان يرد على المرحوم الشيخ محمد عبده من مسائل جديدة يطلب أصحابها الفتوى الإسلامية فيها، مثل: ذبيحة أهل الكتاب، ولبس القبعة إذا اضطر الناس إليها، وإيداع المال في صناديق التوفير، والاشتراك في شركات التأمين على الحياة، ونحو ذلك من المسائل والأقضية التي تجد في العالم الذي هو في تطور مستمر، فكل يوم تظهر أحداث تتطلب أحكاما شرعية، فما لم تقابل بالاجتهاد العاجل ومجابهة الموقف أصيب المسلمون بالحرج، وكان علماء الفرس

1

أوسع صدرا في هذا، وأكثر قبولا لنظرية الاجتهاد، لولا أنهم أكثروا من شروط هذا بما يساوي الاجتهاد المقيد، ونحن نريد الاجتهاد المطلق.

والاجتهاد الذي نريده لا يصح أن يعطى لكل شخص، وإلا كانت الفوضى والاضطراب، إنما نريده لأهل الحل والعقد الذين تتوافر فيهم شروطه كبعض أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وبعض رجال العلم ونحو ذلك، والإسلام مرن بطبعه يتحمل مثل ذلك؛ فقد جعل الاجتهاد مصدرا من مصادر الشريعة، وأباح النبي

صلى الله عليه وسلم

لمعاذ بن جبل أن يجتهد برأيه، وأباح للصحابة أن يجتهدوا بآرائهم مع رأيه في شئون الدنيا؛ فقد أمرهم مرة ألا يؤبروا النخل، فلما فعلوا ذلك لم يثمر، فقال

صلى الله عليه وسلم : أنتم أعلم بأمور دنياكم. وقد فعل

صلى الله عليه وسلم

أشياء كثيرة لا تتصل بالدين، وإنما فعلها لمزاجه كحبه للدباء، أو نزولا على عادة قومه كطريقة لبسه ونوعه والالتحاء وصبغ اللحية ونحو ذلك، فهذه كلها أمور ليست من الشريعة في شيء، ولكل زمن عرفه وتقاليده، ولكل شخص مزاجه، فخلط هذه الأمور بعضها ببعض خلط غير صحيح، وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه امتنع عن أكل البطيخ؛ لأنه لم يعلم الموضع الذي قطعه منه النبي

صلى الله عليه وسلم

وهذه مسألة عاطفية لا صلة لها بالدين، ولكن حبه للنبي

صلى الله عليه وسلم

وحبه للاقتداء به في كل شيء، سواء أكان من العبادات أم من غيرها دعاه إلى فعل ذلك، فهو أمر دعاه إليه الحب لا الدين .

ونحن في زمن تتوالى فيه المخترعات والصناعات، وتغمرنا فيه المدنية الحديثة بألوان كثيرة من المسائل، وكلها تحتاج إلى اجتهاد، فإذا ظهر الراديو مثلا تساءلنا: هل يصح أن نسمع منه القرآن أو لا يصح؟ والعالم نفسه يواجه هذه المشاكل، فلما اخترعت الطائرات احتاج السياسيون أن يضعوا مواد خاصة في القانون الدولي لمرور الطائرات في جو الممالك الأخرى، وكذلك شأنهم في النظم البريدية الحديثة والسفن والقطارات وغير ذلك، فإذا نحن جمدنا لعدم وجود النص، ولم نقابل هذه الأمور وأمثالها بالاجتهاد، وتخلف المسلمون، كانوا أمام أحد أمرين: إما اتباعهم للمبادئ الأوروبية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة كما فعل مصطفى كمال في تركيا، وإما الوقوف من غير إعطاء حكم، وفي كليهما ضرر بليغ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٧٤