وعلى كل حال فقد اختلف منزع التفكير باختلاف ما يعتريني من نزعة قوية؛ أحيانا فردية، وأحيانا عائلية، وأحيانا فوضية، وأحيانا إنسانية.
هذا من ناحية العواطف.
وأحيانا تؤرقني المشاكل العلمية، عقب قراءة تثير مشكلة علمية أو محاولة بحث في عقدة علمية.
بل أراني مضطرا أحيانا إلى أن أصحو منتصف الليل وأفكر في هذه المشكلة، وأضيء النور، وأذهب إلى المكتبة لعلي أعثر في المسألة على رأي جديد أو حل للإشكال، وأسوأ ما يكون ذلك إذا نمت بعد كتابتي في الموضوع؛ فإذ ذاك يظل الفكر يشتغل فيما كنت أكتب، وأحيانا يوفق إلى حل، وأحيانا لا يوفق، ولا أزال كذلك حتى أتنبه من نومي، ولذلك آليت ألا أجيز لنفسي القراءة قبل النوم ولا أجيز لها الكتابة.
وأحيانا تثور عاطفتي الدينية إذا فكرت في المسلمين وضعفهم وانحلالهم، وقارنت بين جهلهم وعلم الأوربيين، وفقرهم وغنى الأوربيين، وتفرق كلمتهم واجتماع كلمة المستعمرين، وسوء حالتهم الاجتماعية ... ثم فكرت طويلا في الأسباب التي دعتهم إلى هذا التدهور: هل هو حكومتهم المستبدة الظالمة، أم هم رجال الدين الذين منوهم الآخرة بترك الدنيا، أو هو سوء عقيدتهم في القضاء والقدر، الذي حملهم على الكسل والإهمال والتواكل، أو هو جميع ذلك كله أو غير ذلك كله؟ وفكرت أيضا هل هو مرض مزمن يبقى ما بقيت الحياة ويعيش على ممر القرون، أم هو عارض يزول متى زالت أسبابه، ومن أي نقطة يبدأ الإصلاح. •••
تمر هذه الأحداث كلها على ذهني كأنه شاشة بيضاء تسجل عليها حوادث السينما، وأحيانا يكون التفكير محزنا يستعقب البكاء، وأحيانا سارا يستوجب الابتسام ... وكل ذلك نتيجة لحالة المزاج وموضوع التفكير، ولكن مهما كان المزاج ومهما كان موضوع التفكير سارا أو محزنا، فالنفس ترتاح إلى هذه الخلوة وتلتذها لذة التاجر يقلب في دفتر حسابه.
| الاجتهاد في نظر الإسلام
كنت أتجادل في الشهر الماضي مع معالي الأستاذ علي عبد الرازق باشا، وكنا نستعرض حال المسلمين وما وصلوا إليه من جمود، فقال: إن دواء ذلك أن نرجع إلى ما نشرته قديما من أن رسالة الإسلام روحانية فقط، ولنا الحق فيما عدا ذلك من مسائل ومشاكل، فقلت: إن رأيي أن رسالة الإسلام أوسع من ذلك وهي روحانية ومادية معا، بدليل ما ورد في القرآن من نظام البيع والشراء والإجارة والمعاملات المالية، ومسائل الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونحو ذلك.
والذي يحل مشاكلنا، هو فتح باب الاجتهاد بعد أن أغلقه العلماء، ولم يكن إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، إنما كان مجرد حالة نفسية واجتماعية؛ ذلك أنهم رأوا غزو التتار لبغداد، وعسفهم بالمسلمين، فخافوا على الإسلام منهم، ورأوا أن أقصى ما يصبون إليه، هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمة مما وضعوه واستنبطوه وأنهم لا يؤملون أكثر من ذلك؛ نظرا لحالتهم النفسية المتدهورة، فسموا هذا إقفال باب الاجتهاد، ونحن نريد أن نفتحه.
ونظريتنا في الحقيقة تؤدي إلى نفس النتيجة التي يراها الأستاذ علي عبد الرازق باشا، فالاجتهاد الذي نريده، هو الاجتهاد المطلق لا الاجتهاد في المذهب، فهو يشمل كل شيء حتى في تقييد النص ووقف العمل به متى استوفى المجتهد شروط الاجتهاد المبنية في كتب أصول الفقه، من علم بالكتاب والسنة، وعلم باللغة العربية، وعلم بالعرف والتقاليد، وعلم بمقاصد الشريعة، وغير ذلك.
وإمامنا في ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فإنه مثلا لم يرد أن يعطي المؤلفة قلوبهم من الزكاة؛ لأنه أدار الحكم على العلة وجودا وعدما، فلما لم يكن الإسلام في حاجة إلى تأليف القلوب؛ لكثرة من دخل في الإسلام، وقف إعطاءهم الزكاة، ولما رأى الناس أكثروا من الحلف بالطلاق الثلاث بلفظ واحد أدبهم بإيقاعه ثلاثا، مع أن القرآن الكريم يقول: