إن كل نظام تشريعي يلزم لبقائه شيئان: قواعد ثابتة؛ كقول الشريعة: «لا ضرر ولا ضرار» تركزه وتثبته، وقواعد متموجة مرنة، يستطيع بها أن يواجه الأحداث الجديدة، وفي الإسلام هذان النوعان، ففيه القواعد الثابتة التي نسميها مقاصد الشريعة؛ كحفظ النوع والجنس والمال، وفيه القواعد المرنة؛ كرعاية المصالح المرسلة عن طريق النظر والاجتهاد، وبدونهما أو أحدهما لا تستطيع شريعة أن تبقى.
وقد قرأنا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان يقول: إذا غصب رجل ثوبا وصبغه بالسواد فقد أدخل نقصا على قيمة المغصوب، فلما جاء تلميذه أبو يوسف، وكانت الحالة قد تغيرت واتخذ العباسيون السواد شعارا رسميا، أفتى بأن الصبغ بالسواد يزيد قيمة المغصوب؛ وليس الأمر تغير الحكم ولكن الأمر تغير الظروف، وكان الفقهاء الأقدمون يفتون بأن من رأى حجرة في بيت دون سائر حجراته سقط عنه خيار الرؤية؛ لأن الحجرات في البيوت كانت تبنى بشكل واحد، فلما جاءت المدنية الحديثة واختلفت هندسة الحجر كان من مقتضى ذلك أن من رأى حجرة في بيت لا يسقط عنه خيار الرؤية وهكذا.
وبالأمس كنت أقرأ في كتاب الهوامل والشوامل، فرأيت فيه أن أبا حيان التوحيدي سأل مسكويه عن السبب في أن المسألة الواحدة يفتي فيها مفت بتحليلها، وآخر بتحريمها، فأجاب مسكويه: بأن العبرة باختلاف الزمان أو المكان، وأن الاجتهاد يواجه ذلك، قال: على أن الاجتهاد في نفسه تمرين للعقل بدليل أن ملكا من الملوك لو أراد أن يلعب بالكرة والصولجان ما أهمنا نجح في اللعب أو لم ينجح ما دام قد مرن أعضاءه، والحكيم إذا خبأ الشيء وطلب من الناس أن يبحثوا عنه، فسواء وجدوه أو لم يجدوه فقد حقق الغرض، والمشتغلون بالنظريات الهندسية والرياضية يكفيهم ما بذلوا من جهد في حلها سواء أصابوا أم أخطأوا.
وعلى الجملة لا ينقذ المسلمين إلا فتح باب الاجتهاد الذي أغلقوه، فضيقوا على أنفسهم واسعا.
| التسامح الديني في الإسلام
نعني بالتسامح الديني أن يكون لكل فرد في الأمة حق في أن يعتقد ما يراه حقا وأن تكون له الحرية في تأدية شعائر دينه كما يشاء، وأن يكون أهل الأديان المختلفة أمام قوانين الدولة سواء، ولننظر إلى الإسلام في ضوء هذا التعريف نر أنه من حيث مبادئه وتعاليمه الأصلية هو أرقى الأديان في تحقيق هذه المبادئ، والباحث في التسامح الديني في الإسلام مضطر أن ينظر إليه من ناحيتين: ناحية المذاهب المختلفة في الإسلام نفسه، وناحية نظرة الإسلام لأهل الأديان الأخرى.
فأما الناحية الأولى فالمسلمون في عهد نزول القرآن أي عهد النبي
صلى الله عليه وسلم
لم يكونوا إلا مذهبا واحدا، ولذلك لا نتوقع أن يكون في القرآن نفسه نص على التعامل بين المذاهب الإسلامية المختلفة، قد يكون هناك بينهم اختلاف في الاجتهاد أو اختلاف في تطبيق المبادئ الإسلامية ولكن لم يتعد هذا أن يكون في مسائل جزئية لا ينطبق عليها كلمة مذهب، وهناك أقوال مأثورة تدعو إلى التسامح مثل ما شاع بين المسلمين «اختلاف أمتي رحمة» وكان هذا سببا في سعة الصدر بين أهل المذاهب المختلفة من حنفي وشافعي ومالكي إلخ ... ومثل ما روي عن الشافعي من قوله: «مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب»، وهو قول لطيف يدل أيضا على قدر كبير من التسامح، ومن هذا القبيل أيضا ما شاع بين المسلمين من قولهم: «لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب غير مستحل» أي أنه لا يكفر مسلم بارتكابه ذنبا ما دام غير مستحل له، وأولى من ذلك أنه مهما اختلف المسلمون في المذاهب والآراء والأقوال فيما هو محل للاجتهاد والنظر، فلا يصح أن يكفر أحد منهم.
أما نظر الإسلام إلى الأديان الأخرى فهو نظر سمح؛ فقد سمى اليهود والنصارى أهل كتاب، وسماهم أهل الذمة، وهما تسميتان في منتهى اللطف، والآيات التي وردت في القرآن في أهل الكتاب تدل على قدر كبير من التسامح خصوصا في العهد المكي، فيظهر أن اليهود والنصارى قابلوا الإسلام في العهد المكي بشيء من حسن الاستقبال، فكان القرآن في ذلك العهد سمحا كريما، وقد بنى في أساسه على أن القرآن يؤيد الكتب السماوية الأخرى ويتفق معها في أغراضها، وأن الشريعة الإسلامية وارثة لما قبلها ومكملة لتعاليمها