تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما كان مما يلطف الحر التفكير في الحر؛ فقد أنساه بالتفكير فيه، فبحثت عن تشبيه لطيف يشبه به الحر، فقلت: إنهم يقولون: هذا الجو أحر من الرمضاء، وأحر من دمع الصب، وأحر من قلب العاشق، ومن فؤاد الثاكل ... ثم لم تعجبني هذه التشبيهات كلها؛ لأنها صارت عتيقة بالية، فأمعنت الخيال في تشبيه جديد، يتناسب وإشعاع القنبلة الذرية. •••

على كل حال استعنت على الحر بالتفكير في الحر، وكتابة مقال عنه، وقلت: إن خرج المقال جيدا؛ فقد كسبت الجودة وثناء الناس عليه، وإن خرج باردا فهو المطلوب، وعلى كل حال فقد كسبت، ورحم الله حافظ بك إبراهيم؛ فقد دعي إلى مأدبة في يوم حار، فقال: «قد كان كل شيء في المائدة باردا إلا الماء».

وقاتل الله المدنية الحديثة فقد رفهتنا فزادت في ترفهنا، هذا زر يضغط عليه، فينار البيت أو الغرفة، وهذه ثلاجة تمتعك بالماء البارد والشراب البارد، وهذه مروحة تلطف الجو، وهذه دفاءة تسخنه، وهذا تليفون يوصلك إلى من شئت، وهذا راديو يسمعك ما شئت ... كل هذا الترف وإن سهل لنا العيش فقد أفقدنا القدرة على المقاومة، وكأن الطبيعة أرادت في إمعان تحقيق العدالة بين الأغنياء والفقراء، فملت الأولين من أتفه الأشياء، وحصنت الآخرين من أصعب الأشياء، فترى ثم نعيما وملكا كبيرا بجانبهما ضجر كبير، وملل عسير، وترى ثم فقرا مدقعا، بجانبه الحصانة والصحة والقدرة على الاحتمال، حتى لقد يتمنى المترف الناعم الملول أن يعوضه الله فقرا وصحة وصبرا على الشدائد.

كذب الناس الذين يظنون أن السعادة والنعيم يعتمدان على الأشياء الخارجية فقط، فكم من مال لا يفيد صاحبه، وكم من متعة لا يلتفت إليها ذائقها، وإن السعادة لتعتمد على النفس أكثر مما تعتمد على الخارج، والنفس المطمئنة أهم أركان السعادة ... فامنحنيها أرض بكل شيء.

ومن السخف أن يتجه الناس بكل قواهم إلى الأشياء الخارجية ... فمن قدر منهم اصطاف في أوربا، ومن لم يقدر اصطاف في المصايف المصرية ولم يتجهوا أي اتجاه إلى نفوسهم، يعودونها الصبر واحتمال الشدائد. •••

وما لي أفكر في الحر تفكيرا فرديا، ولا أفكر فيه تفكيرا اجتماعيا؟! أليس الحر هو الذي أنضج البقول، وأنضج الثمار، وأنضج القطن، وهو أول محصول مصري، ولولاه لكسدت الحياة المصرية، وغلبها البؤس والفقر؟! إنك لو فكرت في القطن، وجدته يغني الأفراد ويغني الحكومة، وتستطيع معه أن تقيم المشاريع، وتحسن الحالة الصحية، وهو يؤثر في الناس أثرا متسلسلا، كما قال المتنبي:

والناس للناس من بدو وحاضرة

بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

فيعتمد على القطن الفلاح في حقله، وصاحب الحقل في قصره، ثم إذا هو جمع من قطنه مالا، أنفقه على الصائغ والبناء والنجار، وهؤلاء ينفقون ما يكسبون منه على الباعة ورجال الأعمال ... ولولا هذا الحر ما كان هذا القطن.

ثم أليست شدة الحر والبرد هي التي ألجأت الناس إلى الكهوف والمغارات أولا، ثم إلى الأكواخ ثانيا، ثم إلى القصور الشامخات ثالثا، ثم جعلت الإنسان بعد ذلك يفكر في أسباب الترف والنعيم ... فاخترع ما اخترع، وابتكر ما ابتكر. •••

إني أنصح من تململ من الحر، وتضايق من الصيف أن يحب، فإنه إذا ذاق جوى الحب ونار الهجران، واكتوى بالصد، وتقلب على جنبيه من الفراق، شعر بأن الحر مهما زاد، فهو دون نار الحب بكثير، كما قال المتنبي:

ففي فؤاد المحب نار جوى

حر نار الجحيم أبردها

| أحلام الشيوخ

لقد اعتدنا أن نسمع دائما كلمة «أحلام الشباب» فأما «أحلام الشيوخ» فلم أسمعها حتى اقترحت علي مجلة الهلال أن أكتب فيها أحلام الشيوخ، ولئن كانت أحلام الشباب هي أحلام المستقبل فيحلم الشاب بمنصب وتكوين ثروة وتكوين عائلة وتكوين شهرة ونحو ذلك، فإن الشيوخ تحلم بالماضي يذكرها ضعف الصحة بما كان لها من قوة الصحة، وعجز العين بما كان لها من قوة النظر، وعلى العموم يذكرها ضعف الشيخوخة بما كان لها من قوة الشباب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٦٦