تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر أن ابن دانيال كان يتعاطى المعجون، كانت تعطيه له زوجته، وقد ساعده ذلك على التنكيت والتبكيت، وله في ذلك قصيدة بديعة، نذكر للقراء بعضها:

يقول فيها شاكيا للقاضي:

بك أشكو من زوجة صيرتني

غائبا بين سائر الحضار

غيبتني عني بما أطعمتني

فأنا الدهر مفكر في انتظار

غبت حتى لو أنهم صفعوني

قلت: كفوا بالله عن صفع جاري!

فنهاري من البلادة ليل

في التساوي والليل مثل النهار

دار رأسي عن باب داري فبالل

ه أخبروني سادتي أين داري

غفر الله لي بما رحت للبح

ر من البرد أصطلي بالنار

وتجردت للسباحة في الآ

ل لظني به الزلال الجاري

ولكم رمت قلع ضرس ضروب

بعد ما ضر غاية الإضرار

فإذا بي قلعت بعد عنائي

واجتهادي القوي من أوزاري

ويظهر أنه كان - مع فضله هذا وابتكاره فن المسرحيات الذي يدر على أصحابه اليوم مئات الألوف - بائسا فقيرا مسكينا؛ إذ يصف حالته فيقول:

أصبحت أفقر من يروح ويغتدي

ما في يدي من فاقة إلا يدي

في منزل لم يحو غيري قاعدا

فإذا رقدت رقدت غير ممدد

لم يبق فيه سوى رسوم حصيرة

ومخدة كانت لأم المهتدي

ملقى على طراحة في حشوها

قمل كمثل السمسم المتبدد

والفار يركض كالخيول تسابقت

من كل جرداء الأديم وأجرد

هذا، ولي ثوب تراه مرقعا

من كل لون مثل ريش الهدهد

ويقول:

قد علقنا والعقل أي وثاق

وصبرنا والصبر مر المذاق

كل من كان فاضلا كان مثلي

فاضلا عن قسمة الأرزاق

من هذا تراه قادرا على التصوير قدرة عجيبة فهو يصور متعاطي المنزول والمنزل البائس صورة بارعة.

ونستنتج من هذا نتيجتين كبيرتين: (الأولى):

أن عندنا قديما من المسرحيات، ما لو تعهدناه بالإنماء لكان لنا مسرح يمثل شخصيتنا، ولا نكون فيه عالة على الغرب.

و(الثانية):

عتاب مؤرخي الأدب العربي في أنهم لم يدخلوا هذا الباب في دراستهم مع إمتاعه ولذته.

| الدنيا حر!

اشتدت علي وطأة الحر يوما من الأيام، حتى لقد ظننت أن طاقة من طاقات جهنم قد فتحت على القاهرة، فجعلتها أتونا ... وحاولت أن أعالج هذا الحر بمعالجات نفسية، فقلت: تخيل أنك في الشتاء، وأن الدنيا باردة جدا، وتريد أن تتدثر، لا أن تتخفف، فكثير من الأخيلة النفسية تؤثر في النفس أثرا بليغا، ألا ترى أنك تتخيل أكلة شهية فيسيل لعابك، أو تتخيل ما يغضب فتغضب، وما يفرح فتفرح، فتخيل الآن أنك في جو بارد فتبرد، ولكن مع الأسف كانت حرارة الواقع أشد من برودة الخيال.

وأحضرت في ذهني الذين يحملون على رؤوسهم جنبات من الخضر والفاكهة، وهم يسيرون من شارع إلى شارع، ومن حارة إلى حارة في الشمس اللافحة، والهواء الساخن، وقلت لنفسي: إنك تلبس جلبابا فضفاضا، عاري الرأس، حافي القدمين، بجانبك الماء المثلوج، وأنواع المرطبات، وعلى مقربة منك المروحة، تروح فتصلح الجو، فاحمد الله على هذه النعم، وتحمل هذا الحر الذي تخففه بما ذكرت، ولكن لم ينجح أيضا هذا العلاج، وحاولت أن يكون لي أطيان مزروعة قطنا أو فاكهة، فإذا اشتد الحر فرحت ... لأنه إذا ضايقني الحر، اطمأننت من ناحية أخرى، على محصول القطن، ومحصول الفاكهة، فالحر الشديد يقتل الدود، وينمي القطن، وينضج الفاكهة، ولكن بحمد الله لم يكن لي شيء من ذلك، فلم ينفع هذا علاجا. •••

وأخيرا حملت متاعي إلى الإسكندرية، والجو يتوقد، وما إن وصلت إلى عربة التبريد، حتى تشهدت، وأحسست أنني في لوح من الثلج وسط فرن، وشاء الحظ أن يكون جو الإسكندرية أقل حرارة من جو القاهرة بنحو أربع عشرة درجة، وقضيت أياما تنفست فيها الصعداء.

وكنت أظن أن من خلق في جو مصر، أقدر على تحمل حر مصر ... ولكني رأيتني لا أطيق بمقدار ما يطيقه الإفرنج، كأنهم اختزنوا في أبدانهم برودة من جوهم.

ومع أن الإسكندرية أعجبتني في اعتدال جوها؛ فقد ضايقتني برطوبتها، وخصوصا في الليل، وتمنيت أن أكون غنيا جدا، فأطير إلى الإسكندرية لأقضي فيها النهار، ثم أطير إلى القاهرة لأقضي فيها الليل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٦٥