تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما كان كل شاعر قد تقدمت به السن بكى شيبه وبكى على شبابه في أبيات كثيرة، وقد جمع الشريف المرتضى كتابا جمع فيه مستحسن الشعر في الشيب والشباب وسماه «الشهاب في الشيب والشباب» وأضاف إلى شعرهم ما استجاده من شعره، ومن أحسن ما اختاره قول الشاعر:

قد كنت أوفي شبابي كنه عزته

حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع

وقول الآخر:

قد كنت أمشي ولست أعيا

فصرت أعيا ولست أمشي

وقول المتنبي:

آلة العيش صحة وشباب

فإذا وليا عن المرء ولى

وقد عبر هذا الشاعر عن أحسن أحلام الشيخوخة، والشيوخ دائما تحلم بالشباب وتذكر أيامه وأحداثه وكيف كانوا ينعمون بمباهج الحياة، فلما انقضى الشباب ضاعت كل المباهج حتى إذا حدثت أو حدث أكثر منها لم يبتهجوا ابتهاجهم بها أيام الشباب، فكأن الشباب ظرف لا بد منه للاستمتاع بلذة الحياة؛ فقد كان الشباب خليقا بأن يبتهج بكل شيء حتى بالتافه منه وحتى بالآلام، إذا وقع في مشيته ضحك، وإذا أصابه الحر الشديد أو البرد الشديد ضحك.

فإذا تقدم في السن فربما كانت وسائل السعادة أوفر ولكن النعيم بها أقل؛ فقد يكون أكثر مالا وأكثر عيالا وأحسن ملبسا ومسكنا ولكنه مع ذلك لا يجد السرور الذي كان يجده أيام الفقر مع الشباب وأيام الوحدة قبل الزواج.

إن الشباب هو الظرف الذي تنال فيه السعادة، فهو يسعد حتى في أحرج الأوقات، يسعد بالهجر كما يسعد بالوصال، ويسعد بالعيش الجاف يأكله والملبس الخشن يلبسه، فكأن الشباب يعوض عنه كل نقص؛ ذلك لأن الشباب قوة تستر كل ضعف وحيوية تخفي كل عجز. •••

والحلم الثاني للشيوخ حلم الصحة، يذكره بها سعال الليل إذا سعل، وأعصابه إذا يبست، وعظامه إذا تصلبت، وأنفاسه إذا تلاحقت، ومعدته إذا لم تهضم، وسكره إذا خلع مفاصله، وقلبه إذا أسرع نبضه، يحلم بالصحة وكل شيء في الكون يذكره بها، وقد كان لنا صديق - رحمه الله - يجلس دائما مع الشيوخ الطاعنين في السن، فلما سألته عن ذلك قال: إن هذا المجلس يذكره بالشباب وأيامه اللذيذة، وهو إذا قارن سنه بسنهم اعتقد أنه شاب بالنسبة إليهم.

وحتى إذا كان الشباب فقيرا جدبا خشنا كانت ذكراه أحسن منه، فكأن الذكرى تجرده من آلامه وتسبغ عليه من اللذائذ ما استطاعت، شأننا في ذلك شأننا في تقديس الآباء والأمهات والعظماء إذا رحلوا من هذا العالم وربما حمل على ذلك شدة الوفاء الماضي كالذي يقول المتنبي:

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

ومن نعم الله على الشيوخ أنهم لم يحرموا أيضا من أحلام المستقبل فقد ركب فيهم حب الحياة وحب الغنى والأمل في المستقبل، وفي الحديث: «يشيب ابن آدم ويشيب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل»، فهو حتى إذا زادت ثروته طمع في ثروة أكبر منها، وما كان يحمله في الشباب على إنفاقه تحمله الشيخوخة على ادخاره، مع أنه من المؤكد أن حياته أقصر من حياته في شبابه، وكذلك يزداد أمله، فإن كان مريضا أمل في صحته في المستقبل، وإن كان فقيرا اليوم أمل الغنى غدا، وهكذا بنيت الحياة على الأمل، ولولا الأمل لنفذ الناس نصيحة شوبنهور في أي يجتمعوا ساعة لينتحروا. •••

ومما يلطف حياة الزعماء أنهم لا يقصرون أملهم على أشخاصهم، بل يأملون أن تنصلح حال أمتهم فيبلورون إصلاحهم ويدعون إليه بكل قوتهم الضعيفة، وكلما رأوا أمتهم تتقدم كان ذلك أعظم سلوة لهم وأعظم معوض لشبابهم، اتخذوا من الأمة كلها أبناءهم وبناتهم يبصرونهم بما هم فيه من ضعف وفساد، ويرسمون لهم طريق النجاح، وكلما ساروا فيه خطوة حرضوهم على الخطوة الأخرى وفرحوا بنجاحهم؛ وكان في ذلك تعويض عن لذتهم في شبابهم، ولذلك كانت حياة العظماء في الشيخوخة أحسن من حياة غيرهم؛ لأنهم ربطوا حياتهم بحياة أمتهم، والأمة فتية أبدا حية أبدا فاستعاضوا عن شبابهم بشباب أمتهم، وعن حيويتهم بحيوية بلادهم، بل إن انغماسهم في حركة الإصلاح ووقوفهم على نتائجها ورغبتهم في نجاحها، تزيد من حيويتهم، ولنا صديق - حفظه الله - تجلس إليه فكأنه يلفظ النفس الأخير، حتى إذا عرضت عليه أمر الأمة واستحثثته الكلام في العيوب وطريقة إصلاحها والأدوية وكيف تعالج بها أدواءها نشط للكلام وللكتابة حتى كأنه قد رجع إليه شبابه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٦٧