تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويظهر أن ابن دانيال ألف مسرحيات كثيرة بقي منها ثلاثة: «خيال الظل، وعجيب وغريب، والمتيم»، وكان يسمي كل مسرحية بابة لا مسرحية، وقد ألفها باللغة العربية الفصحى، نظما ونثرا، حاكى فيها الحريري في مقاماته، وقد عثر عليها الأستاذ كالي وطبعها في مصر، وعلم أن هناك شخوصا وأدوات عند رجل بالمنزلة فسافر إليه واشتراها منه «ببنتو»، وأخذها الأستاذ الألماني جاكوب أو (يعقوب) وظل في دراستها نحو عشرين عاما، يشرح ألفاظها ويفسر ما تدل عليه من أحوال اجتماعية قاهرية، ولما مات أوصى غيره بمداومة دراستها ...

فأما تمثيلية «خيال الظل» فتدور حول أمير يسمى الأمير وصال، يفتخر على الناس بأعماله، ويقول: إنه يريد أن يتزوج، ويعيش عيشة مستقيمة، بعد ما كان فيه من فساد، فطلب إلى الخاطبة أن تختار له امرأة يتزوجها، ووصف ما أراد، ويتزوج، ثم تمرض زوجته، فيستدعي لها الطبيب، ويعالجها، فلا ينفع العلاج وتموت ، وفي أثناء ذلك كله صور هزلية مضحكة كثيرة، ووصف لحالات اجتماعية مختلفة، كوصف الخاطبة وأفانينها، وما يجري على لسانها من أقوال. •••

وأما «عجيب وغريب» فهي «عجيب غريب» التي يتداولها الناس، ففيها صور كثيرة تمثل الحالة المصرية أصدق تمثيل، وربما كانت خيرا من ألف كتاب في التاريخ، فإن كتب التاريخ تصور لنا أكثر ما تصور: الملوك والسلاطين والحروب والوقائع، وقل أن تصف لنا الشعب، أما هذه فتمثل الشعب، ففيها نحو سبعة وعشرين شخصا، منهم الشحاذ والحاوي والواعظ والمعاجيني والعشاب والمشعوذ والمنجم والسباع والفيال ومربو القطط والكلاب، يقول في أولها: «قد أحببت إمدادك أيها الأستاذ الظريف، والماجن اللطيف، بثانية؛ لكيلا تظن همتي في الأدب متوانية، وأتيتك بغريب، وألحقتك بعجيب» وهذه البابة (المسرحية) تتضمن أحوال الغرباء والمحتالين، والمتكلمين بلغة الشيخ ساسان (الشحاذين): فمتى دعيت إلى مجلس الإيناس، فأبدأ عند جلاء الستارة بمدح من حضر من الناس، وغنى باتفاق، في عراق».

ثم ينشد نشيدا يرحب فيه بالحضور، ويخرج بعده شخصا ويقول: «أين تلك الأيام وطيبها، وحسن تلك الأوقات وأعاجيبها، فرحم الله شيخنا ساسان، فلقد كان إنسان عين كل إنسان، قدوة الأدباء، وأنيس الغرباء»، ويقول بعد ذلك قصيدة يصور فيها أخلاق الشحاذين، فيقول:

أين زماني الذي تقضى

وأين جاهي وأين مالي

وأين خفي وطيلساني

وأين قيلي وأين قالي

وأين عيشي وأين طيشي

وأين حسني وحسن حالي

ونحن في مجلس بديع

جل عن الوصف والمثال

فالراح في الراح، والملاهي

في اللهو، والنقل في النقال

وبالملاهي بنا ضجيج

وللرواويق والمقالي

فالدف دفدف ددف ددفدف

والزمر تلتل تلل تلالي!

وهكذا يسوق صورا مختلفة للجاليات الأجنبية، وأصحاب المهن المختلفة، أما «المتيم» فهي البابة (المسرحية) الثالثة، يصف فيها الحب ... ولكنه ليس حبا عذريا كحب مجنون ليلى، وكثير عزة، وجميل بثينة، بل حبا ماديا كحب أبي نواس، وكذلك شعره ليس شعرا كشعر الغزليين، بل شعرا يمثل حياة الحب والغناء والهزل في مصر، مثل:

أهل الغرام تجمعوا

وتوسلوا وتضرعوا

موتوا تعيشوا في الهوى

وتمزقوا وتقطعوا

وخذوا حديث متيم

عمن سواه أو دعوا !

لم يبق إلا أضلع

من سقمه تتقطع

وادي العقيق بجفنة

والدمع منه ينبع

ثم يقول: «أواه أواه وا حباه، وا قلباه، المتيم مسكين، ذبح بغير سكين، من أرسل ناظره، أتعب خاطره، والعاشق كل شيء يذكره، لمعان البرق يؤرقه، وهبوب الريح يقلقه، وإذا دنا الليل منه، يهرب النوم عنه».

وهكذا يستمر، ثم يصور منظرا آخر، فيه نقار الديكة، وكيف كان يراهن عليها، ثم تلقى خطبة في تلك المهارشة ... ثم ينبري المتيم مفاخرا بثوره، فتحضر الثيران، وتلقى خطبة في مصارعة الثيران، كتلك التي ألقيت في مهارشة الديكة، ولكن مع الأسف، تدور الدائرة على المتيم، فيهزم ثوره ويولى، فيتألم المتيم، وينشد نشيدا يتحدث فيه عن ذي القرنين وما جرى له؛ وبعد أن يفرغ من كلامه، ينادي: «يا ريس علي، إني أريد أن أصنع من لحمه خوانا للإخوان»، فيستدعى الجزار، والكبابجي فتقام الوليمة، ويؤتى بالخمر والبخور والعود والند، ويموت المتيم متأثرا من حزنه، فيغسل ويكفن ويدفن، وبذلك تنتهي البابة «المسرحية» الثالثة. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٦٤