وقد نجحت الأديان أكثر مما نجحت الفلاسفة؛ إذ عادلت بين طبيعة الإنسان في الأمل، وطبيعته في الحذر، فرغبت ورهبت، ووعدت وأوعدت، على حين أن الفلاسفة غلبت جانب التشاؤم وأفرطت في الحذر ... إن شئت فانظر إلى أبي العلاء المعري، كيف تألم من كل شيء في الدنيا، ولم يعجبه شيء فيها، وأخذ في شعره يعدد مآسيها، ويتمنى الموت والخروج منها، فإن كانت الفلسفة متشائمة، فالدين بطبعه عادة أقرب إلى التفاؤل، وربما كان من الأسباب الفارقة بين الفلسفة والدين أن الفلسفة تعتمد أكثر ما تعتمد على العقل، والعقل جامد جاف، والدين يعتمد على الشعور، والشعور مرن، قد يكون مرحا، وقد يكون حزينا، والدين متى صار شعورا اطمأن صاحبه وهدأ، والفلسفة إذا صارت عقلا حارت واضطربت.
ما أكثر ضحايا العقل، وما أكبر نعمة الإيمان!
وبعد ... فالتشاؤم في الحياة مزاج، وأنت إذا نظرت إلى بعض الوجوه فوجدتها ضاحكة مستبشرة علمت أنها سعيدة متفائلة، وإذا نظرت إلى وجوه عليها غبرة ترهقها قترة، فهي الشقية المتشائمة، والتفاؤل في الحياة من أكثر أسباب السعادة والنجاح، والتشاؤم من أكبر أسباب الفشل والشقاء، والأمم كالأفراد، تشقى بتشاؤمها، وتنجح بتفاؤلها، فاللهم اجعلنا من المتفائلين المؤمنين، ولا تجعلنا من المتشائمين الطعانين الذين لا ترى عيونهم إلا العيوب، ولا يؤمنون بأي خير أو إصلاح.
| ابن دانيال ومسرحياته
كثير من الناس يظن أن المصريين خاصة - والعالم العربي عامة - عالة على الإفرنج في مسرحياتهم وتمثيلياتهم، وأننا لم نعرف المسرحيات إلا بعد أن اقتبسناها منهم، وسبب هذا، على ما يظهر، أن رجال الأدب العربي حين عرضوا منتجاتهم، اختصروا فيها على أبواب الأدب العربي المعروفة، من غزل وهجاء ورثاء، ولم يتعبوا أنفسهم في البحث عن أبواب أخرى، مع أن أمامهم المسرحيات العربية الصميمة ...
فقد كان عندهم خيال الظل أو ما يسمى «القره جوز» وكانت تمثل فيه الروايات الشعبية؛ وكان لا بد لخيال الظل هذا من أدباء يغذونه، وكان من أكبر من نعرف أنه غذاه ابن دانيال، وهو من أصل موصلي ... ولكنه سكن القاهرة أيام الظاهر بيبرس، وفتح دكانا بالقرب من باب الفتوح، يكحل فيها الناس، وكان يقول: إنني آخذ القرش من عيون الناس، وقد ملأ القاهرة فكاهات رائعة وتمثيليات تمثل على خيال الظل، وتمثل هذه الروايات بأنها تعطينا فكرة صحيحة عن الحالة الاجتماعية للشعب أيام الظاهر بيبرس ... ففيها عادة مهارشة الديوك، وبعض حوادث العصر، وشرح حوادث الغرام.
نعم، إن خيال الظل هذا كان شعبيا لا يقبل عليه إلا أفراد الشعب ... ولكن كان من حين إلى حين، يسمع الملوك والأغنياء عنه فيحضرونه ليمثل أمامهم، وقد روي أنه أحضر خيال الظل للسلطان سليم عند فتح مصر ومثل أمامه روايات سر بها، فأخذ فرقة منه إلى إستنبول؛ ليفرج عليه ابنه الذي كان يسمى فيما بعد السلطان سليمان.
ومن هنا، انتشر خيال الظل في إستنبول وسماه الأتراك «قره جوز» ومعنى «قره» أسود، ومعنى «جوز» العين، «فقره جوز» هي العين السوداء، وممن أعجب به الخديو توفيق باشا؛ فقد كان يحضره عنده، ويشهد رواياته، ولذلك يخطئ مؤرخو المسرح إذا ظنوا أن المسرح العربي اقتبس من أوربا وحدها، بل أقدم من ذلك قرأت فيما قرأت أنه كان يوجد رجل في العصر العباسي، يمثل فيحضر رجلا يطلق عليه أبا بكر، وآخر يطلق عليه عمر وهكذا، ثم يستحضر كل رجل من هؤلاء الممثلين ويعدد له أعماله، ويشكره على ما فعل من خير، ويؤنبه على ما عمل من شر، وهذا من غير شك بدء للتمثيل.
على كل حال كان ابن دانيال الحلقة الثانية أو الثالثة في بناء التمثيل العربي، وحبذا لو نما نموا مستمرا ... إذن لكان عندنا تمثيل ذو شخصية شرقية، له طابع خاص غير الطابع الغربي.