ألا ترى معي أنه بذلك يعد بطلا من أكبر الأبطال؟ أليس ظلما أن يعد من يميت النفوس ويزهق الأرواح ويخرب البلاد بطلا، وأن نقدر بطولته كلما أمعن في القتل والسلب والنهب والتخريب، ثم لم نعد بطلا من أحيى النفوس الميتة بدل أن يميت النفوس الحية، ويغذي العقول بدل إتلافها؟! ما أظلم الناس للناس!
| يضحك ناس ... ويبكي آخرون
خلق الله هذا العالم ومزج فيه الخير والشر مزجا غريبا، حتى لا تكاد تجد خيرا محضا، ولا شرا محضا، على أن الخير والشر أمور اعتبارية، أي أنها خير باعتبار من استفاد منها، وشر باعتبار من تأذى بها، فلو أن جرف جبل سحيق انهار فلم يتضرر به أحد، ولم ينتفع به أحد، لا حالا ولا مستقبلا، ما كان خيرا ولا شرا، إنما هو خير أو شر اعتباري، ولذلك قد يكون الشيء خيرا لبعض الناس، شرا لآخرين، وقديما قالوا: «مصائب قوم عند قوم فوائد».
وفي الناس خير وشر ... فمحسن كريم، ومجرم كبير، بل في الطبيعة نفسها خير وشر، فسماء تبكي وتدمع، وشمس تشرق وتسطع، وشتاء مجدب، وربيع مخصب.
ونفوس الناس ترى الشر فتنقبض، وترى الخير فتنبسط، هذه طبيعتها، وهذا ديدنها، غاية الأمر أن بعض النفوس يبالغ في رؤية الخير فيكثر فرحه، ويقل ترحه، ونسمي مثل هذا متفائلا، وآخرون على العكس من ذلك يبالغون في رؤية ما يحزن والإحساس به، ويستقلون دائما ما يفرح، ويقتصدون في السرور به، ونسمي مثل هذا متشائما، وقد يحدث أن شيئا واحدا يقع أمام اثنين فيضحك منه أحدهما، ويبكي منه الآخر تبعا لطبيعته، وقد قرأت في ذلك حكاية فرنسية لطيفة، وهي أن دلوين ركبا في بكرة على بئر، فكان الرجل الذي يملأ يشد الحبل لينزل الدلو الفارغ إلى البئر ليمتلئ، ويطلع الدلو الممتلئ ليصبه، قال الراوي: «فتقابل الدلوان في منتصف الطريق: هذا ممتلئ وهذا فارغ، قال الفارغ للممتلئ: لم تبكي؟ ... (لأنه وقد امتلأ تنزل منه قطرات أشبه بالدموع) قال: ولماذا لا أبكي، وقد ملئت ماء صافيا، وسيفرغني صاحبي إذا طلعت، ثم يعيدني إلى قاع البئر المظلم، وأنت لم ترقص؟ (لأن الدلو الفارغ يتلاعب وقت النزول لعبا يشبه الرقص) قال: ولم لا أرقص، وسأنزل في البئر فأمتلئ ماء صافيا ثم أطلع إلى صاحبي في الهواء الطلق؟».
تلك عملية واحدة أداها أحد الدلوين ففرح، وأداها الدلو الأخر فبكى ... وهكذا الناس، تمر عليهم الحوادث، فيحزن لها قوم حزنا شديدا، ويفرح لها آخرون فرحا شديدا.
ويروون أن فيلسوفين يونانيين - هما هيروقليطس وديموقريطس - كانا ينتظران إلى سخافات الناس فيختلفان في التأثر بها، أحدهما يضحك لسخافتهم، والآخر يبكي لها، وبعبارة أخرى: أحدهما متفائل، والآخر متشائم.
ولما ركب في طبيعة الناس الأمل في المستقبل وعماده التفاؤل، والحذر وعماده التشاؤم، اعتمد المربون والزعماء والمصلحون والأنبياء على هاتين الغريزتين في الإنسان، أليس من دعامة الأديان الجنة والنار؟ فالجنة تؤمل وتبعث التفاؤل، والنار تحذر وتبعث التشاؤم.
ولو أن عامة الناس حرموا الأمل في الجنة والخوف من النار ما استقامت أمور الدنيا ... بل لو لم تكن عقيدة الجنة والنار، لحرم التاريخ من خير أمثلة المضحين الذين يضحون رغبة في الجنة وهربا من النار. •••
ومما نستغرب له أن أكثر الفلاسفة في القديم والحديث متشائمون، كشوبنهور، وكارلايل، ونيتشه، وكذلك أكثر فلاسفة اليونان، وربما كان السبب في ذلك أن الفلاسفة ممعنون في قراءة نتائج الأشياء، واسعو التفكير، شديدو الإحساس، فهم يرون أن في العالم شرورا أكثر مما فيه من خيرات، فلذلك يحزنون ويتألمون وقد يبكون وتسألني: «ما رأيك في عمر الخيام، وهو لا يرى في الدنيا إلا الخمر والنساء؟»؛ فأقول: «لعله كان من أكبر المتشائمين، ولعله لم يلجئه إلى الخمر والنساء في شعره، إلا آلام نفسه من شرور العالم، فلجأ إليهما لعلهما ينسيانه ما يحس من آلام، ولذلك لما أعيى بعضهم الأمر في الدنيا الواقعية لجأوا إلى اليوتوبيا، أو المدينة الفاضلة يؤلفون فيها، ويرسمون فيها عالما خياليا خيرا من عالمهم الواقعي؛ إذ لما بالغوا في التشاؤم من العالم الواقعي هرعوا إلى عالم خيالي يجدون فيه تفاؤلهم». •••