تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكتف بالكتب، بل كان يذهب إلى «المربد» بجانبه يأخذ اللغة والأدب بالمشافهة عن أهله، ويذهب سحرا إلى علماء الحديث يأخذ عنهم، وفاق غيره في شيء عزيز، وهو تثقفه عن طريق الشك والتجربة، فكان له منهما ما فخر بهما «بيكون» وأمثاله، فكان إذا رأى شيئا في النبات أو الحيوان أو غيرهما حكاه أرسطو أو غيره في كتبهم، لم يصدقهم تقليدا ولكنه جرب، وبعد التجربة صدقهم أو كذبهم، فإذا قالوا: إن الثعبان يفر من رائحة السداب، أتى بالثعبان والسداب، وجرب ... هل يألف الثعبان أو يفر منه؟ فلما رآه لا يفر كذب قائل هذا القول.

والحق أن كل شيء وقع تحت حسه أو تحت تفكيره كان موضع تجربته، وقد رزق دقة ملاحظة في طبائع الأشياء وفي نفوس الناس وفي طبيعة المجتمعات، فاستخرج من ذلك أدبا، على حين أننا نجد علماء عصره - كابن قتيبة - لم يمنحوا هذه الملكة فلم يجربوا تجربته ولم يستفيدوا استفادته، يسمع الديك يصيح فلا يلبث عقله أن يصيح كذلك ويتساءل: هل يصيح الديك بالتجارب أو بطبيعته؟ ... وبناء على ذلك، هل إذا وجد منفردا يصيح؟ ويبحث، هل هناك علاقة بين كثرة الدجاج وكثرة أفراخها، فإذا قلت قلت؟

ويتساءل عن النبات الذي نسميه نحن بالمنثور ... لماذا ينضم ورقه بالليل وينتشر بالنهار؟ ويضع في برنية كبيرة من زجاج عشرين عقربا وعشرين فأرا، ويراقب نتيجة لسع العقارب للفيران.

ويعلل مناغاة الطفل للنور بأنه يهيج همته ويترك في نفسه أثرا كريما، ويفتق لهاته ويشد لسانه، ويعجب من أن بعض الناس إذا رأى حيوانا قبيحا - كالكلب أو الذئب - يشرب الماء لا يشربه هو، وإن كان عطشان؛ لقبح مشربه، وأما إذا رأى حماما يشرب دعاه إلى الشرب ولو كان ريان؛ لجمال منظره.

وليست معرفته بالحياة الاجتماعية بأقل من معرفته بالحياة النفسية والعقلية ... فقد وصف وصفا بديعا نوادي القمار وعمل الخاطبات في البيوت، وحياة الفتيان، وطمع التجار، وطائفة المعلمين، وجوقة المغنين وما إلى ذلك.

وساعده على ذلك اتصاله بالناس على اختلاف طبقاتهم ... من الخليفة إلى الباعة المتجولين؛ فقد استكتبه الخليفة في ديوان الرسائل فخالط الكتاب، وكان نديم ابن الزيات الوزير المشهور فعرف مجتمعات الوزراء، ويشهد العداء الحار بين ابن الزيات وابن أبي دؤاد، فيعرف عداوة الأرستقراطيين، وينادم الفتح بن خاقان الوزير العظيم، وينادي في بيته النجارين والحواة ويسامرهم ويعرف أخبارهم، وكان هو نفسه يبيع الخبز والسمك في طبلية على رأسه، فكان له من ذلك كله معرفة بالطبقات على اختلاف أنواعها ...

ويزيد إلى ذلك خبرة برحلاته ... فيرحل من بغداد إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ويدرس بعقله الفاحص كل بلد رحل إليه حتى ليعرف الفرق بين براغيث حمص وبراغيث العراق! ويتساءل: لماذا لم يجد في حمص عقارب؟ ويقولون: إن بحمص طلسما يمنع العقارب. فلا يرضيه هذا التعليل، وإنما عنده أن العلة الصحية أن جو حمص لا تناسبه العقارب، أو أن بها حيوانات تأكلها فهي تهرب منها ... هذا هو المعقول. •••

ومن أجل ثقافته الواسعة وعقله الواسع كان يقارن في الموضوع الواحد بين البدوي الجاهلي في شعره وبين أرسطو الفيلسوف العظيم، ولا يقر بعظمة لأحد تشل عقله؛ فقد يفضل قول البدوي الجاهلي على أرسطو الفيلسوف اليوناني، ولئن كان بعض الناس يختزن ما شاء الله أن يختزن، ثم لا ينتفع بما اختزن، فالجاحظ عرف كيف يختزن وعرف كيف يعرض ما اختزن كالتاجر الأفرنجي الماهر اليوم: يعرف كيف يشتري السلع وكيف يعرضها في وجهة دكانه ويشوق إليها زبائنه، فهو نابغة في الجمع، نابغة في الإنفاق.

ثم هو في عرضه لا يتكلف الغريب ولا يأتي بمعميات، إنما هو واضح سهل بسيط خفيف الروح ممتع، استقى معلوماته من العرب والفرس واليونان، ثم مزجها كلها مزجا عجيبا، ثم هضمها ثم أخرجها في شكل جذاب، وأكثر في ذلك حتى عد له ياقوت نحوا من مائة وسبعة وعشرين كتابا في الموضوعات المختلفة: في التاريخ ككتابه في الإمامة، وفي الكلام كالرد على المخالفين كالنصارى واليهود، وفي الأخلاق كالحاسد والمحسود، وفي البلاغة كالبيان والتبيين، وفي الاقتصاد كتحصيل الأموال، وفي النفس ككتابه في نظرية المعرفة، وفي الصناعة كغش الصناعات، وفي الجغرافيا ككتابه البلدان، وحتى في الطب، فلا يعجبه الأطباء، فيؤلف كتابا في نقض الطب. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٦١