وليس عصرنا هذا ببدع، فالعالم دائما تتنازعه هاتان القوتان وتغلب فيه قوة الشر، وقد كتب بديع الزمان الهمذاني رسالة لطيفة أبان فيها أن الناس من عهد آدم كانوا أشرارا حتى نسبوا إليه أنه قال:
تغيرت البلاد ومن عليها
فوجه الأرض مغبر قبيح
وبعد ذلك قال الشاعر:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ويوم فتح مكة، قالت امرأة لأخرى: «اسكتي يا فلانة؛ فقد ذهبت الأمانة»، ولا زال يتتبع حوادث الشر في العالم جيلا بعد جيل بأسلوب جميل، ولو عاش في عصرنا لتمثل بشرور الحرب العالمية الأولى والثانية، ولتمثل بقتل الناس لرجل كبير داع إلى الخير واقف في وجه الشر محرر للبلاد من الأعداء ... ولعجب أن يقتل مثل هذا وينعم داعي الشر محب الفساد ناشر الضلالة في العباد، ثم ختم رسالته البديعة بقوله: «والله ما فسد الناس، ولكن اطرد القياس». •••
كم أتمنى أن يبعث إلى الأرض سليمان من جديد فيحبس الشياطين في القماقم، ويسخرهم في الأعمال الشاقة، ويطلق الملائكة من عقالها فتسرح في الأرض وتمرح، وتميت دوافع الشر وتحيي دوافع الخير، وتهدم الاستعمار من أساسه، وتقضي على الرأسمالية ومفاسدها وتدعو دعوات جديدة ليست بهذه ولا بتلك.
إن الناس المتفائلين قد أملوا ذلك ورجوا أن يأتي يوم يغلب فيه الخير الشر، ولكن هل يتحقق أملهم، ويسود ظنهم إن قريبا وإن بعيدا، أو سيكون الأمر كما قال بديع الزمان، فيستمر فساد الناس ويطرد القياس؟! علم ذلك عند الله ...!
| الجاحظ البطل
اعتاد الكتاب أن يعدو نابغة السياسة بطلا، والقائد الحربي العظيم بطلا - كما فعل «كارليل» في كتابه «الأبطال» - ولم يعدوا النابغة في الثقافة والتفكير بطلا، فها نحن نكمل نقصهم فنعد ناشر الثقافة العظيم بطلا، وقد كان الجاحظ - في رأينا - بطلا حقا لا يقل شأنا عن القواد، فلئن كان خالد بن الوليد فاتح ممالك وغازي أمم ... فقد كان الجاحظ غازي جهل وفاتح عقول.
لقد استطاع الجاحظ بقوة عقله أن ينقل الأدب العربي نقلة كبيرة من ناحيتين:
الأولى:
أنه جعل للأدب موضوعا محدودا؛ فقد كان الأدب قبله عبارة عن جمل مرصوصة وضع بعضها بجانب بعض، كالذي نراه في كتاب أبي بكر إلى المهاجرين، وكتاب عمر بن الخطاب في القضاء إلى شريح، وحتى كتابة ابن المقفع كانت عبارة عن جمل رصينة لم يربط أكثرها بفاء أو واو، فأخذ الجاحظ يجعل كتابته ذات موضوع غير الجمل الحكيمة، وأخذ يربط جمله بحروف العطف المختلفة، ويسترسل في الكلام استرسالا عجيبا، ويولد المعاني ويستقصيها حتى يأتي على آخر معنى فيها.
والثانية:
أنه استطاع أن يجعل من كل شيء موضوعا لأدبه ... فالحشائش، والأشجار، والحيوانات، والمعلمون، واللصوص، والجواري، والنجار يستدعيه في البيت، والديك يصيح، والطفل يناغي النور ... كل هذه وأمثالها كتب فيها وجعلها موضوع أدبه، فزاد العقل ثقافة من ثقافته، ووسعه، وفتح بابا أمام الأدباء يقلدونه فيه، ولذلك قالوا: إن كتبه تغذي العقل أولا.
واستطاع ذلك لأنه بدأ فثقف نفسه ثقافة واسعة إلى آخر حد ... وما سمعنا قبله أحدا يستأجر دكاكين الكتب ويسهر عليها حتى يلتهمها، في اللغة، والشعر، والنثر، والفلسفة، والدين، وكل شيء إلا الرياضيات.
وكان الأديب قبل زمنه - كالمفضل الضبي - يقتصر على الشعر يرويه، أو كالأصمعي، يقتصر على اللغة يحفظها ويرويها، وعلى القصص اللطيفة يمتع بها سماره.
أما هو ... فقد اخذ من كل شيء بطرف، فكان دائرة معارف في رجل، تشمل دائرة معارفه الرجال، والأدب والبلاغة، وعلوم الدين، والتاريخ، والطبيعة، والكيمياء، والفلسفة، والدين، والاجتماع، والحيوان، والنبات، والفن، والفكاهة، حصل ذلك كله أولا لنفسه، ونشره ثانيا في الأقطار المختلفة، وظل ينشره قرابة قرن كامل، ولا تنقص معلوماته أن تكون «دائرة معارف» إلا ترتيبها على حروف الأبجدية. •••