تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثانيا: كان غواصا ماهرا، فهو يتخذ حزاما من الجلد لا ينفذ منه الماء ويحفظ فيه الكتب من صلاح الدين بالخطط الحربية التي يجب أن يسلكها العكاويون، والرسائل الهامة، والدنانير الكثيرة من الذهب، ويغوص بها تحت أساطيل العدو حتى يصل إلى ساحل عكا فيخرج، وكان إذا خرج أطلق حمامة زاجلة، إذا رآها الناس علموا أنه قد حضر، فيخرجون إليه لتلقي رسائلهم وذهبهم، وظل على ذلك مدة طويلة يؤدي أجل خدمة.

وأخيرا ترقب الناس عيسى فلم يحضر، ونظروا إلى السماء ليروا الحمامة فلم يروها، فلعبت بأنفسهم الظنون: هل قبض عليه وهو عائم؟ أو طمع فيما معه من المال فهرب؟ أو أدركه الأعداء فقتلوه؟ وكانوا كل يوم يخرجون إلى الساحل ينتظرونه على غير جدوى، وفي اليوم السابع من غيابه خرجوا إلى البحر ينتظرونه كعادتهم، فرأوا جثته يقذف بها البحر وعلى وسطه الرسائل والدنانير.

لقد كان أمينا في حياته ... أمينا في مماته!

والشهرة كالرزق لا حد لهما ولا قانون، توزع على الناس الشهرة كما توزع الأرزاق:

كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه

وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرة

وصير العالم النحرير زنديقا

فكم غير عيسى وعيسى منح شهرة واسعة ورزقا واسعا، وعيسى وعيسى والفتى الدمشقي الذي أحرق الأبراج بمادته المخترعة مغمورون محرومون، وهكذا الدنيا: أذن ولا حلق، وحلق ولا أذن، ولله في خلقه شؤون.

| جزيرة بلا سياسيين

كان الشيخ محمد عبده يقول: «لعن الله السياسة وساس ويسوس وسائس ومسوس، وكل ما اشتق من السياسة، فإنها ما دخلت شيئا إلا أفسدته ».

كل شيء في العالم يتغير حتى الأهرام، عريت بعد أن كانت مكسوة، وحتى «أبو الهول» كسرت الأيام أنفه وعلته الرمال، إلا السياسة الاستعمارية فإنها لم تتغير بوجه من الوجوه، وعقلية الساسة في القرن الثامن عشر هي عقليتهم في القرن العشرين، يظنون أن التهديد والوعيد يرهب الأمم ويقضي عليها وينفذ رغبة المستعمرين ... وبعد ضرب الإسكندرية بسبعين عاما ظلوا يفهمون أن ضرب الإسماعيلية أيضا ينتج نفس النتيجة مع اختلاف المقدمات اختلافا كبيرا؛ فقد كان الرعب يستولي على النفوس، ولم يكن وعي قومي يفهم ألاعيب السياسة ولا شيء من ذلك، ولكن عقلية الإنجليز فهمت أن ما جرب أمس ونجح يجرب اليوم وينجح، أما الفوارق الكبيرة وخصوصا الفوارق النفسية فقد أغمضوا أعينهم عنها.

كم أود أن أعيش في جزيرة مطمئنة هادئة ليس فيها ساسة، ولكن مع الأسف لا يمكن أن يعيش الإنسان من غير حكومة ومن غير ساسة يسوسون الناس، فكل مجتمع لا بد فيه من مجرمين وأشرار وطامعين ونهابين، فما لم تأخذ الحكومة على يدهم عاثوا في الأرض فسادا، فلا يمكن لجزيرة أن تعيش من غير حكومة، وكل كتاب اليوتوبيا أو بعبارة أخرى المدن الفاضلة، وأفلاطون نفسه في جمهوريته، لم يخلوا بلادهم التي عدوها مثلا أعلى من ساسة ومن حكومة.

غاية الأمر أنهم أملوا أن تكون الحكومة فيها حكومة عادلة، حكومة ترعى الأمة ولا تستبد بها، وتأخذ بيدها ولا تمحقها، حكومة متسعة العقل مرنة تتطور مع الأحداث وتعلم أن ما صلح أمس لا يصلح اليوم لا كساسة الإنجليز والفرنسيين لا يتحولون عما في أذهانهم مهما تغيرت الظروف.

ومن أجل ذلك تمنى أفلاطون وأرسطو أن يحكم الأمم فلاسفتها، فهم أطيب نفسا وأبعد نظرا، ووجدت الآن حركة ترمي إلى طلب حكومة الفلاسفة، ولكن مع الأسف قد جربت حكومة الفلاسفة فلم تنجح كثيرا؛ لأن الفيلسوف في العادة واسع النظر، شكاك بحكم فلسفته، وقد دلتنا الخبرة على أن بعيد النظر ضعيف الإرادة، وأن الشكاك عديم الحزم، فلو حكمت الأمم بالفلاسفة دلهم بعد نظرهم على الرحمة بالمجرمين، واعتقدوا أن إجرامهم نتيجة لبيئتهم، وقادهم شكهم إلى التردد في الحكم وعدم التصميم على العقوبة، فكانت الفوضى التي لا نرى مثلها في الساسة غير الفلاسفة، إنما نريد حكاما لم تخربهم الفلسفة ولا أقعدتهم الصلابة، تنزهوا عن سعة عقل الفلاسفة فقومت إرادتهم، وبعدوا عن الشك فصحت عزيمتهم، وتنزهوا عن ضيق عقل ساسة اليوم فرأوا نتائج الغد على غير ما يرى ساسة اليوم، ولم يشكوا فعظم تصميمهم وكافأوا المجرم على إجرامه والمحسن على إحسانه، نريد ساسة يعلمون أن لكل زمان حكما ولكل تطور علاجا، وقد قرأت أخيرا كتابا يدعو إلى علاج الأمور التي تحدث علاجا مؤسسا على العلم والدرس لا على البديهة ولا على التقاليد القديمة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٥٧