تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس هناك ما يمنع المرأة المصرية من أن تكون كالمرأة الأوربية، فهي جميلة ذكية مرحة خفيفة الروح، ليس يصدها عن تبوء مكانتها إلا الجهل والحجاب، وكلاهما يمكن التغلب عليه، فلأدع إلى السفور، ولأدع إلى تعلم المرأة، فإذا نجحت في الدعوة خطوت بمصر وبالعالم العربي خطوة كبيرة، ليست قاصرة على النساء، بل هي للرجال أيضا، فالرجل ابن المرأة، فدعا دعوته المشهورة في كتابه «المرأة الجديدة»، وكم لاقى من عناء، وكم سب وكم أهين، وكم رد عليه الجامدون ردودا شديدة، ولكنه تحمل كل ذلك في ثبات، حتى نجحت دعوته، وبدأ نجاحها في حياته، واستمر نجاحها بعد مماته، وسيتطور السفور من حسن إلى أحسن.

جزى الله جمال الدين الأفغاني وقاسم أمين عن النداء بالحرية بأنواعها أحسن الجزاء.

| عيسى وعيسى

اشتدت الحروب بين الصليبيين والمسلمين: كل يريد الاستيلاء على بيت المقدس وما حوله، وكل يدفعه الدين إلى ذلك ... والحروب إذا انبعثت عن الدين كانت قوية قاسية، لذلك أتى فيها الفريقان بالأعاجيب، وهذه الحروب عادة تلد الأبطال، ولذلك رأينا هذه الحروب تخرج أبطالا من الفريقين عرف بعضهم وغمر بعضهم، ها هو مثلا ملك الألمان يخرج من بلاده إلى بيت المقدس ومعه مائتا ألف مقاتل ومقاتلة، وكعادة الألمان جهز هذا الجيش بآلات الحرب التي لم يكن يعرفها المسلمون ... هذه دبابات قوية لدك الأسوار والحصون، لم تكن تسير بالبخار أو الكهرباء؛ إذ لم يكن ذلك معروفا، ولكن تسير بالجنود في خارجها وداخلها، وهذه الأبراج العالية الضخمة المصفحة بالحديد تنصب عليها المجانيق لدك الحصون، وما إلى ذلك مما لم يكن للمسلمين به عهد.

فما أن يرى المسلمون هذه الآلات العتيدة حتى يفكروا في إتلافها، فيعد صلاح الدين بأن يكافئ من يقدر على إحراقها مكافأة حسنة ... فيتقدم شاب شامي من أهل دمشق، فيدعي أنه اكتشف بعض العقاقير القادرة على إتلافها، فيصرف عن ذلك بحجة أن الإخصائيين لم يستطيعوا ذلك، وهو ليس منهم، ولكنه يصر ويصر، فيسمع لقوله، فيحضر القدور بالعقاقير ويرمي قدرا على البرج الأول فإذا هو عمود من نار أتى عليه وعلى من فيه، ثم يرمي بالقدر الثاني فيكون له هذا الأثر في البرج الثاني، والثالث في الثالث وهكذا ... فكان اختراع البرج عظيما، واختراع ما يتلفه عظيما.

كان من أثر هذه الحرب ظهور أبطال عظماء كهذا، منهم العيسيان: فأما عيسى الأول فهو الفقيه عيسى الهكاري أكبر أمراء صلاح الدين، وكان من أكبر من عمل في إجلاسه على عرشه، ولذلك كانت له دالة كبيرة عليه، يأمره وينهاه، ويقضي حوائج الناس عنده فلا يرد له طلبا، وكان لكبر عقله بمنزلة المستشار المؤتمن لصلاح الدين، يستشيره في السلم والحرب والسراء والضراء، وقد جمع بين الفقه والكفاح في الحرب.

قتل أخوه في الحرب، فذهب الناس يعزونه، فنهرهم ولم يقبل عزاءهم ... وأبى إلا أن يهنئوه لموتته هذه الموتة السعيدة، ثم قتل هو أيضا في حصار عكا، بعد أن أبلى بلاء حسنا، وله آراء في الفقه قيمة، وآراء في السياسة قيمة، ويترجم له في طبقات الفقهاء وطبقات المجاهدين، فهو قرين أسامة بن منقذ، ومعاصره: عيسى فقيه فارس، وأسامة أديب فارس. •••

أما عيسى الآخر فكان عواما، واشتهر من أجل ذلك ب «عيسى العوام»، لقد حوصرت عكا من الصليبيين حصارا شديدا حتى أكل أهلها الدواب، وتدفأوا بحرق الموتى، وعز الماء وعز اللباس، وصعب عليهم أن يستنجدوا بالمسلمين، وكل يوم تزيد أساطيل العدو وتحكم الحصار.

انتدب عيسى العوام نفسه لإخراج أهل عكا من هذا المأزق ، فرسم لنفسه خطة ماهرة، فأولا: ألف عمارة بحرية هو وأمثاله من العوامين، وأمر البحارين أن يحلقوا لحاهم ويتشبهوا بالإفرنج في ملابسهم ونوع ألويتهم، حتى إن الفرنج لما شاهدوها لم يشكوا في أن هذه العمارة صليبية، ثم استطاع أن ينفذ بأسطوله من بين العمارات الصليبية، حتى أوصل ما فيه من مؤمن وذخائر إلى أهل عكا، فأنقذهم من بأس شديد كانوا فيه، ثم استدار هو وأصحابه على المراكب الإفرنجية يحرقونها بالنفط، فنجحوا نجاحا باهرا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٥٦