تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحكي هذا الكتاب أن إضرابا حصل في أمريكا بين صانعي الأحذية مع أن كل المظاهر تدل على أن لا وجه للإضراب، فأجور العمال معتدلة وساعات العمل قليلة، والعمال في رخاء، وعندهم من أوقات الفراغ ما يكفي لمتعتهم ورفاهيتهم، فانتدب جماعة من العلماء القائلين بهذه النظرية للبحث في السبب العميق لهذا الإضراب فانتهوا إلى أن يبحثوا صناعة الأحذية من أساسها؛ ليعرفوا ما الذي سبب الإضراب، فرأوا أن صانع الأحذية في القديم كان يمر على الناس في بيوتهم فيضيفونه أياما ليست بالقليلة ويكرمونه إكراما زائدا، ثم يطلبون منه ما يشاءون من الأحذية فكان فخورا بذلك، ثم تطور الأمر ففتح صاحب هذه الصناعة دكانا، وكان يصنع أحذية الناس بيده وبعماله، ثم كان يفخر أيضا بالحذاء الذي يصنعه، وبعد مرور أدوار طويلة حكاها المؤلف اخترعت الآلات التي تصنع الأحذية، فلم يبق للعامل شيء من فخره فساءت نفسيته وتألم من انحطاطه، فكان هذا هو السبب الحقيقي للإضراب. •••

نتمنى أن يتعلم الساسة من هذا الدرس، فإذا نفرت أمة من الاستعمار فلا يمكن أن يفرض عليها بالإكراه، وهذا ما يقوله البحث العلمي، فالطفل إذا شب لم تعد تصلح له ثياب الطفولة، والأمة إذا وعت لم تعد تطيق الأساليب العتيقة التي كانت تتحملها من قبل، وخير للأمة المستعمرة أن تجري مع التيار من أن تقف ضده وأن تمرن طائعة من أن تتحول كارهة.

تريد فرنسا أن تستعين على استعمارها بلاد المغرب بالإنجليز المستعمرين لمصر؛ لأن الاستعمار في الأمم كلها نظام واحد، كالعقد إذا انفرطت منه حبة تداعت سائر الحبوب، ومهما كان هذا التعاون فلن يفيد شيئا في الموقف الحاضر مهما سلحت الأمم المستعمرة بالطيارات والدبابات والمدافع الثقيلة والخفيفة؛ لأن هذه الآلات كلها إن أخمدت الأجسام فلن تخمد النفوس.

يقلد الإنجليز مثلا في الاستعمار أمة الرومان في استعمارها القديم، ولكن يواجه ذلك أيضا أن الأمم المغلوبة على أمرها تسلك نفس السبيل الذي سلكته الأمم التي نالت استقلالها، فهي تضحي كما ضحت، وتبذل الأموال كما بذلت، وتستهين بكل ما تبذل في سبيل حريتها.

لا ... لا أريد جزيرة بلا ساسة، بل لا أريد جزيرة حكامها عقلاء مدربون، فإن هذه عيشة رخيصة لا يرضاها إلا الخاملون، إنما أريد أمة يحكمها الساسة المستبدون فأحاربهم ويحاربونني وأقاتلهم ويقاتلونني، وأنتصر عليهم وينتصرون علي، وأبذل ما في وسعي من التضحية فإن مت مت موتة كريمة، وإن ظفرت عشت عيشة كريمة.

| الشيطان رجل الساعة

بني العالم على أساس أن الخير فيه ممزوج بالشر مزجا تاما، فلا تكاد تجد خيرا محضا ولا شرا محضا ... فالنار التي تنضج تحرق، والماء الذي يروي يغرق، والسكين التي تقطع تذبح، وهكذا، وكل شيء في العالم فيه خير وشر، حتى الجمادات ... فالزهر الناضر والربيع المنعش والشمس المدفئة والنجوم الزاهرة كلها خير، ولكن بجانبها الصواعق والزلازل والبراكين ونحو ذلك، فإذا انتقلنا إلى النبات، وجدنا الدواء النافع والسم الناقع، وفي الحيوانات الحمل الوديع والأسد الضاري، فإذا وصلنا إلى الإنسان كان ذلك أوضح، فالشرير والمجرم والشهواني بجانبه الراهب والولي والقديس، ولكن الرجل الصالح في العالم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، حتى لا يستطيع الرجل الطيب مهما بلغت طيبته أن يعيش هادئا مطمئنا، ألا ترى إلى غاندي كيف زهد في أعراض الدنيا، وقنع من الحياة بكوب من الماء وكوب من اللبن، وعمل لمصلحة بلاده حتى أوصلها إلى الاستقلال وعمل عملا صالحا في الدعوة إلى العطف على المنبوذين والمسلمين ... ماذا كان جزاؤه؟ كان جزاؤه القتل من يد شيطان رجيم، ولم ينفعه في الحياة كل ما قدم من خير.

ولما سمع برنارد شو بقتله قال: «إني كنت أقول دائما: إن الرجل الطيب عرضة للشر في هذا العالم، وهذا دليل جديد».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٥٨