تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوم تبيض وجوه وتسود وجوه

وابيضاض الوجوه من ارتياحهم لحسن النتيجة، واسودادها لما يرون من سوء النتيجة، ثم إن الله جعل لحياة الأمم مقومات؛ كتربية النشء تربية صالحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة نظام العائلة، ونحو ذلك، فإذا تمت مقومات الأمة صلحت، وإذا لم توجد أو لم يوجد بعضها لم تتكون أمة صالحة، وكذلك للأمة قوانين لارتقائها، لا ترتقي بدونها، كبنائها الحياة على العدل، وتدعيمها بالقوانين الاقتصادية التي تكفل رفاهيتها وثروتها، فمن عمل بتلك القوانين نجح وارتقى، وإلا ضعف وفني، كذلك نرى أن الأمة إذا أخذت بمبدأ الشورى ومبادلة الرأي وخصوصا في جلائل الأعمال ارتقت، وإذا استبد حكامها بالرأي وفرضوا آراءهم من غير مناقشة ضعفت وانهارت؛ لأن المستبد مهما عقل فليس بمأمون الزلل.

تلك بعض قوانين الله في الأمم ، أبانها القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فمن اتبعها وعمل بها أمن الفناء وضمن الرقي والبقاء، ومن تهاون فيها كان عرضة للضعف والفناء، وهذه القوانين دائمة لا تتغير، ولن تجد لسنة الله تبديلا، كانت فيما مضى، ولا تزال باقية إلى اليوم، وستظل باقية في المستقبل.

لقد غير علماء الاجتماع صيغتها وأسماءها، ولكن الحقيقة واحدة مهما تغيرت الأسماء، والأمم تحافظ على بقائها بمقدار اتباعها لها، وتنحط بنسبة ضياعها لها، وهي قوانين ثابتة ثبوت القوانين العادية، كالتمدد بالحرارة والانكماش بالبرودة.

لا يهم هذه القوانين إلا السير عليها لتؤدي نتيجتها سواء علم أصحابها أنهم يسيرون عليها أو لا، شأن الشخص يتعاطى سما فتكون له نتيجته المحتومة ولو لم يعلم أنه سم، ويتعاطى الدواء الناجع، فيشفى ولو لم يعلم أنه دواء، وهكذا شأن القوانين الطبيعية.

لقد سار على مقتضاها المسلمون الأولون ففازوا بنتيجتها، اتحدوا ولم يتفرقوا، وعدلوا ولم يظلموا، واتبعوا القواعد الاقتصادية في الشئون المالية فنجحوا نجاحا باهرا، وفتحوا ما لم يكن في الحسبان، وهرع الناس إليهم من ظلم الفرس والرومان، وكانوا في كثير من المواقف يعينونهم على عدوهم ويعرفونهم بمواضع الضعف عند حكامهم، كما فعل الإسبانيون في إسبانيا والأقباط بمصر، وليس يصلح المسلمون إلا بما صلح به أولهم، انظر إلى الأمم المختلفة ترها كلها واقفة على سلم ذي درجات، بعضها أرفع من بعض، وسبب هذه الرفعة تمسكها بهذه القوانين الطبيعية التي أوجبت رقيها، وسبب وقوف بعضها على درجات أدنى من السلم تهاونها في بعض هذه القوانين، وسواء في ذلك الأمم الشرقية أو الغربية، فاتباع هذه القوانين يؤول إلى الرقي بقطع النظر عن مسلم وكافر، شأن ذلك شأن القوانين المادية تماما، فالأسرة تسعد بالصدق والعدل كائنة ما كانت وعلى أي دين كانت، وهي تنحط بالكذب والظلم كائنة ما كانت وعلى أي دين كانت، فالقوانين الطبيعية لا تفرق بين دين ودين، ولا جنس وجنس، إنما يهمها اتباع القانون أو عصيانه وكفى.

| منهج الفلسفة القديمة والفلسفة الحديثة

ظلت الفلسفة منذ عصر اليونان، إلى عصر الرومان، إلى العصر الإسلامي ، متأثرة كل التأثر بتعاليم أفلاطون وأرسطو، وخاصة أرسطو، واعتقد الناس أن ما جاء به أرسطو هو الحق، وما بحث فيه، فهو مجال البحث، وما تركه، فهو مجال الترك، وبذلك أجلسوه على عرش يشبه عرش الألوهية، حتى إنه لو قام البرهان المحسوس على فساد زعمه، شكوا في عقولهم، دون عقل أرسطو؛ فقد حكوا أن أرسطو قال: إن الشيء الثقيل والخفيف إذا ألقيا من مكان عال نزلا في زمن واحد، والتجربة تدل على أن الشيء الثقيل ينزل قبل الشيء الخفيف، ومع ذلك صدق الناس ما قال أرسطو وكذبوا عقولهم! فإن قلنا: إن أرسطو شل عقول الناس قرونا طويلة، لم نكن بعيدين عن الصواب! وقد بحث أرسطو في كل الأشياء: من نبات، وحيوان، وأرض، وسماء، وإلاهيات، ونفوس كلية، ونفوس بشرية، وأخلاق، واجتماع، وغير ذلك، ولكن المكانة الأولى كانت لما بعد الطبيعة؛ لأنها متصلة بالأديان، والأديان لها تأثير كبير في النفوس، فكان الفلاسفة يمرون مر الكرام على النبات والحيوان والطبيعة، ثم يضعون أكبر اهتمامهم فيما بعد الطبيعة، فعل ذلك الكندي والفارابي، وابن سينا وابن رشد، والقديس توما النصراني وغيرهم، وبحث أرسطو فيما بعد الطبيعة هذه في أشياء كثيرة؛ من أهمها: هل المادة قديمة أو حادثة؟ وذهب إلى أنها قديمة، كما بحث في: كيف صدر العالم عن الله، وكيف تطور؟ كما بحث في النفس الإنسانية، وهل تخلد بعد الموت؟ وإن كانت تخلد فهل الذي يخلد هو النفس الكلية، أو النفوس الفردية؟ وذهب إلى أن الذي يخلد هو النفس الكلية، وإذا كان كذلك، فما معنى الثواب والعقاب؟ وأن كل إنسان يجازى بعمله، إلى أمثال ذلك من المباحث التي تعرض لها الدين أيضا، فمن أهم أسس الدين خلق الله للعالم، وأنه هو وحده الأزلي الأبدي، وأن النفس الفردية تبعث بعد الموت، وتجازى على عملها، وقد ذهب في هذا فلاسفة المسلمين إلى ثلاثة أقسام: قسم كابن سينا وابن رشد وإخوان الصفاء حاولوا أن يوفقوا بين الفلسفة والدين، كما فعل ابن رشد في تأليفه كتاب «فصل المقال، فيما بين الشريعة والفلسفة من الاتصال» فقالوا: إن الدين صحيح، والفلسفة صحيحة، فيجب أن نوفق بينهما! وقسم كالغزالي ندد بالفلسفة وأنكرها، وقال: إن تعاليم الدين هي الصحيحة، وتعاليم الفلسفة خطأ في خطأ. وألف في ذلك كتابه «تهافت الفلاسفة»، وقسم قالوا: إن التوفيق بين الدين والفلسفة خطأ، وإن الدين صحيح، والفلسفة صحيحة، ولكن لكل منهما منطقة نفوذ، لا يصح أن يعتدي أحدهما على الآخر! فالعاقل يتبع الدين في مجال الدين، والفلسفة في مجال الفلسفة! فما أتى به الدين في البعث والنشر واليوم الآخر، وخلق العالم يؤخذ قضية مسلمة متى اعتنق الإنسان الدين، وما أتت به الفلسفة من طبيعيات وكيماويات ومنطق، ونحو ذلك يفهم ويبحث وينسق، ومن أمثلة هذا القسم أبو سليمان المنطقي؛ فقد عاب على إخوان الصفاء منهجهم، وقال: إنهم حاولوا التوفيق عبثا. وأيا ما كان؛ فقد ظلت تعاليم أرسطو مقدسة، عند فلاسفة المسلمين، وانتقلت منهم في القرون الوسطى إلى علماء اللاهوت في أوربا، وعلى الأخص ابن رشد، ووفقوا بين الدين والفلسفة كما قال ابن رشد، ومن أثر هذه الفلسفة أنها تجعل صاحبها أميل إلى تصديقها أكثر من الدين، والاعتقاد بأن الدين للجماهير والخاصة، والفلسفة للخاصة، وأخيرا وبعد قرون طويلة حدثت النهضة في أوربا، وجاءت فلاسفة لم يخضعوا لأرسطو، وإنما خضعوا للحقيقة، وكان على رأسهم الفيلسوف بيكون، قال: إن عقل الإنسان تتحكم فيه أوهام، ومن ضمن الأوهام تقديس أرسطو وأمثاله، وأرسطو حقا عقل كبير، ولكنه يخطئ أيضا ويصيب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٥١