قالوا: ونحن لا نريد أن نؤمن إلا بما تدل عليه المشاهدة والتجربة، ووضعوا مكان أرسطو المعامل التجريبية، يجربون فيها نظريات الطبيعة والكيمياء وحتى نظريات علم النفس، فما لم تدل على صحته هذه التجارب لا نصدق به؛ فقد كان أرسطو يسرف في استعمال القياس في المنطق، فمثلا يرى أن الماء إذا غلى مرارا يتبخر، وأن اللبن كالماء إذا غلى مرارا يتبخر، فوضع نظرية تبخر الماء واللبن، ولكن بيكون قال: إن هذا لا يكفي في التجربة، بل لا بد من تجارب إيجابية، وتجارب سلبية، حتى تثبت النظرية ، فمثلا إذا سخن الماء مرارا تبخر، فهذه تجربة إيجابية، ويجب أن يضاف إليها تجربة أخرى عكسية، وهي تبريد الماء فيتجمد، ثم رأوا أن البحث في الأشياء الإلهية التي بحث فيها أرسطو وأتباعه، كخلق العالم، والبعث والنشور، ونحو ذلك، أمور لا يمكن العلم إثباتها ولا نفيها، وإنما هي أمور يمكن تصديقها عن طريق الدين، فمتى اعتقد الإنسان بإله ونبي وأتى النبي بهذه التعاليم، أمكن التصديق بها تصديقا مسلما به، ومن أجل ذلك سميت الكائنات الطبيعة عالم الشهادة، والموجودات الأخرى الغيبية عالم الغيب، والعلم في عالم الغيب يدور حول نفسه ولا يتقدم؛ لأن المشاهدة والتجربة لا تعملان فيه شيئا، ولذلك قسم اسبنسر الموجودات إلى ثلاثة أقسام: معلوم كالطبيعيات، وغير معلوم كذات الله تعالى وصفاته، وما لا يمكن معرفته بوسائلنا الخاصة، كالموت والحياة واليوم الآخر وأمثال ذلك، ولما أيقنوا أن البحث فيما بعد الطبيعة غير ذي فائدة اتجهوا أكثر ما اتجهوا إلى الطبيعيات، وبنوا عليها نظرياتهم واكتشافاتهم، فتقدموا تقدما كبيرا في بحث المادة وخصائصها، وبنوا عليها المخترعات الحديثة مما بهر الأنظار، وأصبحت الفلسفة تبنى على المشاهدة والتجربة، وأكملوا منطق أرسطو الصوري بمنطق المادة، كالبحث في الفروض والنظريات، والحقائق، ولم يكتفوا بأشكال القياس مثلا، بقطع النظر عن المقدمات: هل هي صحيحة أو ليست صحيحة؟ وقالوا: إن عقل الإنسان عقل قاصر، لا يستطيع البحث إلا في العيش ووسائل العيش، أما ما عدا ذلك من البحث في أصل الحياة، والحياة بعد الموت، واليوم الآخر، فهذه أمور لم يمنح العقل البشري القدرة على إثباتها والبرهنة عليها، فهي تؤخذ عن طريق الدين، ويصدق بها على أنها قضايا مسلمة، وبعضهم تغالى، وأنكر ما ليس مادة تخضع للمشاهدة والتجربة، ولذلك قالوا: إن الدين يبتدئ حيث ينتهي العلم، ومعنى ذلك أن العلم لا يستطيع السير إلا في المادة بسيطها ومركبها، فإذا هو تجاوزها، فلا يستطيع السير، ويمكن الإنسان أن يكون عالما ومتدينا في وقت معا، فيذهب إلى المسجد ليصلي، ويخرج منه ليشتغل في المعمل، يرى ويجرب، وهذا شيء، وهذا شيء، وهذه منطقة نفوذ، وهذه منطقة نفوذ، وليس يسلم العلم دائما إلى الإلحاد، بل كثير من العلماء رأوا في المادة ما يعجزهم عن فهمها فهما حقيقيا، إلا إذا فهموا أن وراءها إلها مدبرا، وقد كان ابن رشد يقول: إن اشتغاله بتشريح أعضاء الجسم الإنساني أكسبه إيمانا فوق إيمانه، وغيره زاده إيمانا اشتغاله برصد الكواكب وحركتها، وغيرهما زاده إيمانا رؤية العالم وما فيه من نظام وتناسق، فحيث لا تكون للطفل أسنان يكون هناك لبن، وحيث توجد له أسنان توجد لحوم وبقول، وعلماء الذرة اليوم يقفون على أشياء في الكون تستوجب العجب، ومن وراء العجب الإيمان.
على كل حال نريد أن نقول: إن البحث في الفلسفة القديمة كان دائرا حول نفسه، لم يقدم الناس شيئا، ومنهج البحث في الفلسفة الحديثة من عدم تقديس ما قاله العلماء، وبناؤه على المشاهدة والتجربة، قدم العالم تقدما كبيرا، وأسوق هذا لأنصح المسلمين أن يبنوا بحوثهم ويتجهوا في اتجاهاتهم إلى ما ينبني عليه في الحياة عمل، دون ما يقتصر على سفسطة أو جدل، وفي ذلك يعجبني الإمام مالك؛ فقد كان لا يفرض فروضا، وإذا عرضت عليه مسألة سأل: أينبني عليها عمل أم لا؟ فإن كان ينبني عليها عمل أفتى، وإلا لا.