تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، أي أنه لا يصح لأولي الحل والعقد والممتازين من الأمة من علماء دين ورجال سياسة وأعضاء برلمان أن يركنوا إلى الملوك والأمراء الطغاة، ومعنى الركون إليهم تشجيعهم على ما هم فيه من فساد، أو تركهم يعبثون كما يشاءون، بل يجب الضرب على أيديهم، وإقناعهم بالعدول بالحسنى إن أمكن، وبغير الحسنى إن لم يمكن، فإن فعلوا نجا الأمراء والملوك ونجوا، وإلا هلك هؤلاء وهؤلاء.

هذان قانونان من قوانين التي سنها الله لحياة الأمم وفنائها، وهناك قوانين أخرى نتحدث عنها في فرصة أخرى إن شاء الله.

| سنن الله في الكون

كتبنا في المقال السابق عن بعض سنن الله في الأمم، واليوم نذكر طرفا آخر من هذه السنن.

من ذلك أنه إذا فسد الرؤساء وسكت أهل الرأي عن النصيحة، استشرى الفساد، وعم الأمة كلها، وأما إن اجتمع أهل الرأي وأرباب الهمة من أفرادها وتعاونوا على اجتثاث هذه الشجرة الخبيثة واستئصال جذورها بقيت وصلحت، ومن أجل هذا تجتهد الأمم المستعمرة أن تولي رجلا يكون طوع أيديهم، فيستعمرون الأمة عن طريقه، وقد أوجب الله على نفسه عقاب الأمم المذنبة، ولا يرتفع العقاب إلا بالتوبة، لذلك لما قدم عمر بن الخطاب العباس للاستسقاء؛ لقرابته من النبي

صلى الله عليه وسلم

قال: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع إلا بتوبة».

ومن القوانين العامة في الأمم أن الظلم والبغي والفساد سبب في انحطاط الأمم وضعفها وهلاكها، بل ورد في القرآن أن ذلك سبب لقلة المطر وللقحط ولفساد الزرع وهلاك الحرث والنسل.

ومن هذه القوانين أن الأمم تهلك لسيطرة أصحاب الأموال ورغبتهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون، وقد ضرب الله مثلا أمة شعيب؛ إذ كانوا يستبيحون تنمية الثروة بكل الطرق الممكنة؛ كالتطفيف في الكيل والميزان، وبخس الناس أشياءهم، فكان شعيب - عليه السلام - ينهاهم عن ذلك كله، ويوصيهم باجتناب أكل أموال الناس بالباطل وقناعتهم بالحلال، وهم يقولون: إنهم أحرار في أموالهم يفعلون بها ما يشاءون:

قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، فعاقبهم الله بضياع أموالهم، ولا تزال المشكلة المالية وحرية التصرف من أعقد المشاكل الاجتماعية اليوم، يرى أرباب الأموال أنهم أحرار في مالهم يفعلون فيه ما يشاءون، ويرى المصلحون والأخلاقيون أن المال لا بد أن يخضع للأخلاق، فلا يستغل الفقير استغلالا يضر به، وقد جعل الله من أسباب صلاح الأمم قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعله أمرا لازما لصلاح الأمة، فإذا قاموا به نجوا، وإلا هلكوا، وقد ذم الله اليهود بقوله:

لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون .

ومن سنته تعالى ابتلاؤه للأمم بالنعم والنقم، فالله يختبر المؤمنين الصالحين الأخيار، والمجرمين الأشرار بكثير من مصائب الدنيا، فالمؤمن البصير يراها تربية وتهذيبا وتمحيصا له تزيده إيمانا وبصيرة يقول الله تعالى:

لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور

فيرى المؤمن في هذه الدنيا مظاهر كثيرة لتنعم المجرم وكثرة ثروته حتى يستفزه ذلك المنظر، ويرى المؤمنين الصادقين في بلاء ومحنة، فإن صبر لهذه المناظر اجتاز هذه المرحلة بنجاح.

كذلك من سنن الله في الأمم أنه إذا تفرقت الأمم شيعا وأحزابا؛ يضرب بعضهم بعضا، ويحارب بعضهم بعضا، حق عليها الفناء، وإذا توحدوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وتعاونوا وحمل كل عبئه، وساعد الباقين على تحمل أعبائهم نجحوا وكونوا أمة صالحة، وهذا ظاهر في تاريخ الأمم؛ قديمها وحديثها، غربيها وشرقيها، وعبر الله عن نتيجة الذين يتحدون ويتعاونون بقوله:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٥٠