تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، وقال في آية أخرى:

وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، غاية الأمر أن الناس غيروا معنى الصالحين، ففهموا منهم الذين يكثرون الصلاة والصيام ويكثرون من تلاوة القرآن، ولو اكتفوا بذلك وقضوا فيها حياتهم، على حين أن المراد بالصالحين الذين يستخلفهم الله في الأرض هم الصالحون لإدارتها، القادرون على تدبير شؤونها، الذين يستطيعون تنظيم أحوالها، أما الذين يقتصرون على الصلاة والصيام وتلاوة القرآن من غير أن يكون لهم حسن تصرف في الإدارة، وعجزوا عن القيام بشئون الناس وتدبير أحوال الأرض، فليسوا هم الذين يقصدهم الله بالصالحين، فلكل شيء وجه يطلق عليه أن الرجل صالح له أو غير صالح، فالصالح في السياسة غير الصالح في تدبير الأموال غير الصالح فقط للصلاة والزكاة، ولكل موضعه، ومن أجل هذا الخطأ ركن قوم إلى دفع العدو بقراءة الأوراد والبخاري وتلاوة القرآن، مع أن الذي يصلح لاتقاء العدو هو محاربته بمثل سلاحه، لا بمجرد الجلوس في المساجد وقراءة الدعوات والابتهالات من غير أن يعدوا لهم ما استطاعوا من قوة، والخلاصة من كل هذا أن من سنن الله في الأمم أنه ما لم يكن في الأمة قوم يفهمون أمتهم، ويعلمون علما تاما ببيئتهم، وما تقتضيه من أعمال، فينبهونها إلى واجبها، ويحذرونها من مفاسدها، لم يكن لها بقاء، هكذا يقول الله تعالى وهؤلاء هم الذين يسميهم الله الصالحين.

وبقدر جد هؤلاء الصالحين ونشاطهم وأعمالهم تكون حياة الأمم، وبقدر قلتهم يكون ضعف حياتها، وبقدر عدمهم يكون فناؤها. (2)

من سنن الله أيضا في الأمم أن الأمة إذا طغى أمراؤها، وانغمسوا في الترف والنعيم، ولم يأبهوا لمصالح شعبهم، ولم يأخذ العقلاء فيها على أيديهم، كان مصيرها الفناء، يقول الله تعالى:

ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، ويقول:

وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ، أي أن أولي الأمر في الأمة لو جروا وراء شهواتهم، ولم ينظروا إلا إلى ترفهم ونعيمهم، بادت دولتهم؛ لأنهم إن فعلوا ذلك أنفقوا الأموال في ملاذهم، ولم يقيموا وزنا لقوة الشعب الحربية ولا لقيمته العلمية والأدبية، فكيف تبقى الأمة مع ذلك، أما إن صلح أمراؤها، وساروا بالعدل مع شعوبهم ومع أنفسهم، وأعطوا لكل ذي حق حقه، وأعطوا لأنفسهم حقوقها ، والتزموا بواجباتها، أبقاها الله ولم يفتتها، وهذا هو الشأن في كل عصر، ظلم الحكام يرديها ويهلكها، وعدل الحكام يعليها ويصلحها، يقول الله تعالى:

وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون

أي أن الله لا يهلكها إذا صلح أهلها، وتجنبوا الفساد والظلم، والمراد بكونهم مصلحين: أنهم مصلحون في أعمالهم الاجتماعية والعمرانية، فلا يبخسون الحقوق، ولا يرتكبون الإثم والعدوان والطغيان، إن شئت فانظر في ظل هذين المبدأين الكبيرين إلى الأمم التي حولك، واستعرض قويها وضعيفها، تر أن الأمة إذا سارت على هذين المبدأين قويت وبقيت، وإذا أهملتهما فشلت وضعفت، وبقدر قوتهما وضعفهما تضعف الأمم وتقوى، إن خير الأمم الحالية من قوي برلمانها، واستطاع أن يشرف على حكومتها، ووجهها الوجهة الصالحة، وحذرها من التردي في المهالك، ولم ينكص عن قول الحق والجهر به والدعاء إليه، لا يخاف من قوي لقوته، ولا من فاسد لفساده، ولا من غني لغناه، وإذا خالف رأيه رأي الحكومة قال ذلك في صراحة، وسمع في ذلك صوت ضميره ودينه، لا صوت شهواته ومغنمه.

كذلك من ميزان حياة الأمم الآن مقدار نزاهة حكامها وأمرائها، وعدم وقوعهم في الطغيان والإسراف في الترف والنعيم، إننا نرى أن الحكومات الصالحة في الأمم المختلفة تسيطر حتى على الملوك والأمراء، فتمنعهم من أن يطغوا، وتمنعهم من أن يبذروا أموال الشعوب في ملاذهم وشهواتهم وشرهم، فإن هي فعلت ذلك سمح الله لها بالرقي والبقاء، ونحن نرى إلى الآن أنها إن لم تفعل حاق بها وبهم الهلاك، ونرى في القرآن إشارة كريمة في قوله تعالى:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٤٩