تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحديث الشريف أن جماعة ركبوا سفينة فأخذ أحد الركاب يكسر لوحا من ألواحها، قال الحديث: فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإلا هلك وهلكوا. وفي هذا شعور كبير بالتضامن؛ وبعبارة أخرى: شعور «بنحن»، وفي القرآن الكريم:

واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، أي أن الظالم والجاهل والسيئ العمل لا تعود نتيجة عملهم على أنفسهم فقط، بل تتعدى إلى جميعهم ومن يشاركونهم في حياتهم الاجتماعية.

وأنت إذا أردت أن تحسب قوة أسرة أو فرقة عسكرية، أو حتى قوة أمة، فلا تحسب ذلك بعددها وثروتها، وإنما تحسب ذلك بالحبال التي تربطها، فإن كانت الحبال متينة فاعلم أنه مجتمع قوي متين، وإنما أتيت الأمم من قبل ضعف الروابط بين أفرادها، وانحلال عرواتها.

فإذا أرادت أمة أن تنهض فلتجعل من أول واجباتها البحث في عوامل انحلالها، ولتعن بالروابط بين أفرادها، ولتعالج هذا الأمر، في أطفالها في مدارسهم وألعابهم، وفي جنودها بالنظم المحكمة التي تزيد من روابطهم وتجعل كل جندي يشعر «بنحن» أكثر مما يشعر «بأنا»، ولتنشر التربية العسكرية بين كل شبانها، ولتجعل من أهم أغراضها تقوية الشعور «بنحن» إلى أبعد حد، ووقف الشعور «بأنا» إلى الحد الذي يتطلب المحافظة على الذات، ولا شك أن هذا مطلب شاق عسير، ولكنه في الإمكان.

والتربية الإسلامية الأولى نجحت في ذلك نجاحا كبيرا، فكم من أمثلة كثيرة ضحى فيها الأفراد بمصالحهم الشخصية للمصلحة العامة، فهذا عمر يرضى أن يعيش عيشة في منتهى البساطة ليسعد الناس، وهذا عثمان يتبرع بالمال الكثير لإنشاء جيش، وأمثالهما كثير مما لا يعد ولا يحصى، ولكن من الأسف خلف من بعدهم خلف لم يكن أمام أعينهم إلا «أنا»، وقال قائلهم: «ومن بعدي الطوفان»، فيستبيح لنفسه أن يظلم ما استطاع أن يظلم، وأن يجني لنفسه المال ويتمتع بالشهوات ما أمكنه ذلك، وأن يعيش عيشة في منتهى الترف ولو تضور الناس من حوله جوعا، فكان من ذلك تدهور الشرق على النحو الذي رأيناه، وهو لا يصلح إلا بازالة كل عوامل الفساد، وتأسيسه على أسس جديدة أولها وضع «نحن» موضع «أنا».

| سنن الله في الأمم

يسير العالم على نظم دقيقة في كل شيء، سواء في ذلك النبات والحيوان والإنسان، وكما أن للأفراد سننا ثابتة، من صبا وشباب وكهولة وشيخوخة، ومن صحة ومرض وقوة وضعف، كذلك شأن الأمم، لها قوانين لحياتها وفنائها وصحتها ومرضها، وقد نبه القرآن الكريم على كثير من هذه القوانين، نتعرض لبعضها اليوم.

من تلك القوانين: (1)

حفظها بالصالحين من أبنائها، ومعنى ذلك أنه لا بد لحياة الأمم من طائفة فيها يكون عملها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعبارة أخرى: الدعوة إلى الإصلاح، واستنكار الفساد، وهذه الطائفة تأخذ أشكالا مختلفة، ففي العصور الإسلامية الأولى كان ذلك وظيفة من يسمون أهل الحل والعقد، وفي العصور الحديثة كان ذلك وظيفة البرلمانات ورجال الصحافة ورجال الإذاعة ونحو ذلك، على كل حال لا بد من قوم يتولون هذه الوظيفة بجد واجتهاد وأمانة وإخلاص، قد بلغوا من حسن النية مبلغا كبيرا، ووصلوا في الثقافة واستنارة الأذهان وطهارة الشعور ما يستطيعون به أن يوجهوا قومهم إلى ما ينفعهم، ويحذروهم مما يضرهم، سواء كانوا زعماء أو أعضاء مجالس نيابية أو صحفيين أو نحو ذلك، فإن هم قصروا عن ذلك تخبطت الأمة وسارت في ظلام، وكان عاقبتها الفناء، يقول الله في ذلك:

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ، ويقول:

فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ، وقد جاءت هذه الآية عقب حكاية أقوام أهلكهم الله؛ لظلمهم وفسادهم فيقول: إنه لو كان فيهم جماعة أو جماعات تنهاهم عن الفساد وتحثهم على الفضائل لما هلكوا. أي أن الصالحين المصلحين هم الذين يحفظون الأمة من التردي والهلاك، شأنهم في ذلك شأن الأطباء للأفراد، فالأفراد إذا مرضوا استدعينا لهم الأطباء، فشخصوا أمراضهم، ووصفوا لهم علاجهم، فإن ساروا عليه نجوا، وإلا هلكوا، والمريض إذا لم يستطب طبيا أو استطبه ولم يسمع بقوله كان مصيره الهلاك، وهذه الطائفة هي التي سماها الله في القرآن بالصالحين فقال:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٤٨