ومن مظاهر ذلك أيضا أننا في الشرق نحترم الملكية الخاصة، ولا نحترم الملكية العامة، مثال ذلك: أننا في الشارع لا نشعر بأنه ملك للناس كلهم، وكأنه ملك لنا وحدنا، فنرمي فيه بالأوراق وبقشور الفاكهة وبالقاذورات، ولو كنا نشعر بأنه ملك عام للناس كلهم ما أجزنا لأنفسنا ذلك، بل ونستجيز لأنفسنا أن نقطف وردة من حديقة عامة، مع أن الوردة ليست ملكنا، ولكنها ملك للناس كلهم، يتمتعون بمنظرها ورائحتها، وتعجبني حكاية لطيفة أن الشيخ محمد عبده كان يركب سفينة مع صديق له فسار الصديق في السفينة حينا وعاد، فوجد الشيخ محمد عبده يبكي، فقال له: مم تبكي؟ قال: رأيت مربية إفرنجية على السفينة تربي طفلا صغيرا، فجرى الطفل نحو وردة في أصيص من الأصص وقطفها، فأنبته على عمله تأنيبا شديدا، وكان مما قالته له: إن الوردة ليست ملكك حتى تقتطفها، ولكنها ملك لركاب السفينة جميعا، بل ولركابها غدا، فأنا أبكي لأن هذه المعاني الراقية لم يفهمها حتى علماؤنا.
ومن هذا القبيل ما نراه في حفلات السينما والتمثيل وحفلات الموسيقى، فكل فرد منا يشعر «بأنا» على حين يشعر الغربي «بنحن»، ونتيجة ذلك أن الشرقي يستبيح لنفسه في هذه الحفلات أن يتكلم مع صديقه بصوت عال يشوش على من بجواره، خصوصا إذا كان من الطبقة الأرستقراطية، فيشعر بأنه فوق القانون وفوق الجميع، من غير أن يشعر أن عليه واجبا أن يحترم حقوق الآخرين، فإذا أنت نبهته إلى ذلك برفق تجهم، وقال: إنه حر يفعل ما يشاء، نعم؛ إنه حر، ولكن حريته مقيدة بمصالح الآخرين، ككل حرية، ونحن نرى أن الغربي إذا أراد أن يحدث صديقه في سينما أو تمثيل أو في ترام حدثه همسا، بحيث لا يشعر بذلك من بجواره؛ وذلك لقوة شعوره «بنحن». (3)
وحتى في العمال الخيرية، كالإحسان على الفقير، يشعر الشرقيون «بأنا» لا «بنحن»، فالشرق في الغالب لا يحسن إلا إذا فاجأه الفقير وألح عليه بالسؤال، وهو إذا أعطاه أعطاه يدا بيد، وكل هذا من غلبة الشعور «بأنا»، أما الغربي فيشعر «بنحن»، فهو يشعر بالفقراء لا بالفقير، وبالمرضى لا بالمريض، فهو يتبرع للجمعيات الخيرية التي تصرف أموالها على الفقراء والمرضى ؛ إذ إن شعوره «بنحن» يشعر بأن في أمته طبقة من الفقراء والمرضى يجب عليه أن يشاركهم في شعورهم، ويتبرع بجزء من ماله لهم.
وهذا الشعور غير الشعور بالفردية وأرقى منه، كالذي قاله علماء النفس في الأطفال: إن الطفل يبدأ فيفهم الأبيض ولا يفهم البياض؛ لأن الأبيض جزئي، والبياض كلي، وفهم الجزئي يتقدم فهم الكلي. •••
من أجل ذلك كله وجب على القادة في الشرق أن يضعوا أمام أعينهم التربية الاجتماعية، في الأسر، وفي المدارس، وفي المحال العامة، فلا يسمحوا للأفراد أن يسيروا حسب ميولهم الفردية، بل يشعروهم بأنهم جزء من مجتمعهم الذي هو المدرسة أولا، والأسرة ثانيا، والمجتمع العام ثالثا، ولا يسمح لفرد أن يسير وفق هواه، فإذا اعتاد العمل والتفكير في المجموع وهو طفل سهل عليه أن يراعي ذلك وهو كبير، بل نستطيع أن نعودهم ذلك في ألعابهم، فإذا لعب الكرة مثلا قوينا في نفسه أنه مسئول عن فرقته اللاعبة معه، وأنه إذا غلب فغلبته لفرقته، وإذا قصر أو لعب لعبة رديئة أثر ذلك أثرا سيئا في فرقته، فذلك يشعره «بنحن» أكثر من شعوره «بأنا»، وعلى هذا ما جرى عليه العمل الآن مبدئيا في بعض المدارس من تقسيم الطلبة إلى فرق: فرق تعنى بالفن، وأخرى بالتاريخ، وثالثة باللغات، وهكذا، وكل فرقة لها شارة معينة، وكل طالب من فرقة يفتخر بأن فرقته نجحت، ويخجل أن فرقته فشلت، وفي هذا كله درس قوي من الشعور «بنحن».
ومما ساعد الغربيين على هذا الشعور «بنحن» التربية العسكرية، فالجندي في الفرقة يشعر بأنه جزء من الفرقة كلها، في نظامها وألعابها وحربها، وأنه مسئول عن كل شيء يصيب الفرقة.