وما أخشى على أموال مصر
سوى من معشر يتأولونا
ونحن لو درسنا الشرق لرأينا فيه من الكفايات ما يكفي للعلم والأدب جميعا، فالجو الذي أخرج ابن الهيثم والجوزجاني وإسماعيل باشا الفلكي وشفيق بك يكن الرياضي يستطيع أن يخرج غيرهم من العلماء لولا أنهم يوجهون إلى الأدب فيخرجون متوسطين في الأدب، ولو وجهوا إلى العلم لكانوا نابغين، ومن الأدلة على ذلك أن الشرقيين الذين يرسلون إلى أوربا يجلسون مع الطلبة الأجانب فيجارونهم أو يسبقونهم وربما كان أهم عامل في ضعفهم لا قلة عقلهم، ولكن مركب النقص عندهم، فعندهم حالة نفسية يشعرون معها أنهم أقل من أمثالهم من الغربيين، وأنهم لا يحسنون إلا تقليدهم، ولو زال مركب النقص هذا لكانوا مثلهم في الابتكار والاختراع. •••
إن مشكلة بلاد الشرق على العموم أنها إلى الآن لم تطبق الطرق المتبعة في تقويم ملكات الناشئين، فتوجه بعضهم إلى أدب، وبعضهم إلى علم، وبعضهم إلى صناعة أدبية، ولو فعلت لزاد عدد النابغين، وأخذ كل مكانه الصالح له، أما أن يوجهوا أو يتركوا وشأنهم، تلعب بعقولهم الوظائف الخالية، أو الطموح إلى درجة جامعية، فضرر كبير، نظيره كما إذا أعطيت أديبا كتاب فقه، وفقيها كتاب أدب، وشاعرا كتاب رياضة، ولو وزع كتاب الرياضة على الرياضي، وكتاب الشعر على الشاعر، وكتاب الفقه على الفقيه، لكان ذلك أكثر فائدة، وأطيب إنتاجا.
وكم في كل أمة من كنوز مدفونة، في الفلاحين والعمال وعامة الشعب، لا ينقصها إلا اكتشافها، والله الحكيم لم يخل أمة من ملكات مختلفة، تكفي لسد حاجاتها، كما أنه لم يخل طائفة ممن يعدون نوابغ في كل ناحية، ألا ترى حقل القمح أو الذرة أكثره وسط، ولكنه على ذلك لم يعدم فروعا تعلو غيرها، وتسمو فوقها، ولا يكون اكتشاف ذلك إلا بتوفيق من الله.
| أنا ... ونحن
«أنا»، كما هو واضح، تدل على الفردية، و«نحن» تدل على الاشتراك، وقد اشتقوا من «أنا» الأنانية بمعنى حب الذات والاستئثار بمصالحها الشخصية، ولا أدري لماذا لم ينسبوا إلى «نحن»، فيقولوا: «النحنية» للدلالة على الشخص وغيره، أو للدلالة على شعور الشخص نحو مجتمعه .
وبعد هذه المقدمة القصيرة نقول: إنه مما يلاحظ أن الشعوب المتأخرة يغلب عليها الشعور ب «أنا»، والشعوب الحية المتقدمة يغلب عليها الشعور ب «نحن»، وأعني بالشعور «بنحن» شعور الفرد بالمجموع البشري الذي ينتسب إليه، سواء كان جميعه أو ناديا أو أسرة أو قبيلة أو أمة، وكل إنسان عنده الشعوران معا: الشعور «بأنا» والشعور «بنحن»، ولكن تختلف الأفراد في ذلك اختلافا كبيرا، فترى بعض الناس يشعرون شعورا قويا «بأنا»، ويوجهون كل أعمالهم وتفكيرهم نحو مصالحهم الشخصية، بل لا يعملون عملا ما إلا إذا لمحوا فيه منفعة لهم شخصية، ومن الناس من يقوى عنده الشعور «بنحن»، فهو دائما يعمل الخير للناس، ويسعى في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، ويجد لذته في ذلك، ومن الناس من هو بين بين، وكذلك الشأن في الأمم، أمة يغلب عليها الأنانية، وأخرى يغلب عليها الشعور بالغيرية، كالذين وصفهم الله سبحانه بقوله:
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، والذي يلاحظ أنه في الشرق تغلب الأنانية على أفراده، وفي الغرب تغلب الغيرية على أفراده، ولذلك عدة مظاهر: (1)
شعور الفرد في الشرق بناديه أو بحزبه أو بالجماعة التي ينتسب إليها أو بأمته شعور ضعيف، على عكس ذلك في الغرب، فشعور الفرد هناك نحوها كلها شعور قوي، ولذلك تنجح في الشرق أعمال الأفراد أكثر مما تنجح أعمال الجماعات، كالشركات والنوادي والجمعيات، وكم سمعنا بجمعيات وشركات تأسست في الشرق، ثم أفلست، وحتى الجمعيات التي تنجح إنما تنجح لفرد قوي يرأسها، ويوجهها، ويحمل أكثر أعبائها، في حين أن باقي الأعضاء يتكلون عليه، فهو في الواقع عمل فرد في شكل جمعية؛ لأن نجاح الجمعية كجمعية معناه أن أفراد الجمعية كلهم يعملون، كآلة الساعة: عقرب وبندول ورقاص وغيرها، كل يعمل عمله، فيكون من جراء ذلك ساعة مضبوطة، وهي درجة ما أظن أن الشرق وصل إليها، وهي أشياء لا بد منها في حياة المجتمع الراقي. (2)