والثقافتان معا لازمتان للأمة؛ إذ لا يمكن أن تخلو أمة حية من ثقافة أدبية تغذي العواطف، وثقافة علمية تغذي العقل، ولذلك حرصت كل الأمم تقريبا على أن يكون لها كلية آداب، وكلية علوم؛ كلية آداب لتحيي الأدب والشعر وتدرس التاريخ اتعاظا بالماضي، والجغرافيا للثقافة العامة، وكلية علوم تضبط الذهن وتقوي العقل.
ولكننا مع الأسف نرى أن العالم الإسلامي من أوله عنى بالآداب أكثر من عنايته بالعلوم، ومصداق ذلك أننا لو دخلنا مكتبة عربية وجدنا ما يساوي واحدا في المائة علما والباقي أدبا، ولو حصرنا ما في كتب التراجم مثل ابن خلكان وجدنا أن أكثره أدباء بالمعنى الواسع، وأقله علماء، وبينما نجد مئات الأدباء من شعراء وكتاب، نجد بينهم قليلا من أمثال ابن الهيثم وأبي الوفاء الجوزجاني.
والسبب في هذا على ما يظهر أن الأدباء بطبيعة أدبهم وبطبيعة طول لسانهم كانوا أقرب إلى الملوك والأمراء يمدحونهم ويتزلفون إليهم، بينما لا يستطيع العلماء أن يفعلوا شيئا من ذلك؛ إذ هم قاصرو اللسان لا يتكلمون إلا بقدر، والأدباء عادة أقدر على السمر اللطيف والحديث الممتع والنكت الطريفة، على حين أن العلماء عادة متزمتون ثقيلو اللسان غير قادرين على النكات.
وكان مظهر غلبة الأدب على العلم إلى عهد قريب أن طلبة الآداب البكالوريا في المدارس المصرية يفوقون بكثير طلبة العلوم عددا، ومجال الوظائف أمامهم أوسع، فإذا نحن عددنا الدراسة القانونية من الآداب - على توسع كثير في ذلك - وجدنا أن معظم أعضاء البرلمان من المثقفين القانونيين، وكذلك الأمر في معظم الوزارات، حتى لقد يكون من المضحك أن نرى وزير الأشغال أو وزير صحة أديبا، بينما لا نجد مثلا وزير معارف أو وزير عدل عالما. •••
وإذا نحن نظرنا إلى المدنية الحديثة وجدناها مؤسسة على العلم أكثر من الأدب، فالصناعات والمخترعات الحديثة والطب وما يحتاج إليه من كيمياء وتشريح وغير ذلك كلها مبنية على العلم، نعم؛ إن المدنية الحديثة لم تهمل الأدب ولكنها مع ذلك قومت العلوم تقويما كبيرا، فما أحوج الشرق وهو يحذو حذو المدنية الغربية ويبني أساسه على أساسها أن يكثر من عنايته بالعلم ويقبل عليه إقبالا أكثر مما هو عليه الآن، فلدى الشرقيين على العموم موارد خامة غنية يجب أن تبحث وأن تستثمر وتبنى حياتهم الاقتصادية عليها، ثم لا يصح أن يظلوا عالة على غيرهم، بل لا بد أن ينهضوا نهضة الغرب فيبارونه ولا يقفوا مقلدين له.
ثم إنهم - لثقافتهم الأدبية - كثيرو الكلام، كثيرو الجدل، ولا يتناسب محصول فعلهم مع محصول كلامهم، ومجالسهم مملوءة بالجدل والمناقشة، ومشروعاتهم مملوءة بالبحث من غير نتيجة، وأظن: لو أنه زادت ثقافتهم العلمية أمنوا كل هذه الأخطاء.
بل نرى أن اتجاه الغربيين إلى العلوم وتوسعهم فيها جعلت أدبهم ملونا بلون خاص، وهو كونه ذا موضوع، على حين أن الأدب الشرقي عبارة عن ألفاظ لا موضوع لها، فنرى مثلا في المكتبة الغربية كتابا أدبيا في الفلك ككتاب الكون الغامض للأستاذ «جونز» وكتابا أدبيا في العلوم مثل كتاب «العلم من كرسي مريح» إلى كثير من مثل هذه.
ولو ثقف الأديب بعض الثقافة العلمية الواسعة لامتلأ الأدب بالتشبيهات بالمعاني الحديثة، فكم في الكهرباء والمغناطيسية من ذخيرة أدبية، ولو تثقف العالم بعض الثقافة الأدبية العامة لحسن تعبيره ووضح مقصده.
ونحمد الله أن نجد طلبة البكالوريا العلمية قد ازداد عددهم عما كان وطغى على البكالوريا الأدبية، ولكننا نحتاج إلى زمن حتى نجني ثمار ذلك، فلا يزال خريجو الكليات العلمية أقل مما تتطلبه المدارس، وهم تتخطفهم الشركات بأعلى الأجور.
وإذا كثر العلماء بحق رأينا ذلك يتبعه لا محالة نهضة قوية في الصناعات والاختراعات، بل أظن أن ذلك يتبعه أيضا رقي في الأخلاق، فالمتأدب أقدر من العالم على تسامحه في الأخلاق؛ لأنه أقدر على التأويل، ومصيبة الناس عادة في المتأولين، كما قال البوصيري في إحدى قصائده: