تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عقدت الحياة المدنية الحديثة، وجعلت أنواع الحاجات تختلف وتكثر، ولا بد أن يقابلها الإحسان بأشكاله المختلفة المناسبة، وليس كل الإحسان أكلا وشربا؛ فقد يكون الإحسان بالتعليم، وقد يكون بنشر الكتب وترقية العقل، وقد يكون بمنع التعطل، وقد يكون بالتوجيه إلى نوع العمل، وأقدر الناس على ذلك هي الجمعيات التي تدرس البيوت المختلفة في الأحياء، وتضع العلاج لكل حالة، وليس يقدر الأفراد على ذلك.

وفي ضوء هذا إذا نظرنا إلى ما يصرف من أموال الإحسان في العالم الإسلامي وجدناه كثيرا جدا، ولكن ينقصه التنظيم، فهناك أموال تصرف في بعثرة على الفقراء أمام الأضرحة، وهناك الإحسانات الكثيرة على المقابر، وهكذا كلها محتاجة إلى التنظيم، فكل زمن تظهر فيه أشياء كثيرة تحتاج إلى إحسان، وهناك أوقاف كثيرة على مشاريع خيرية بعضها أتخمت بالوقوف عليها وبعضها في حاجة إلى المعونة، فيجب أن ينظر إليها كوحدة، يؤخذ من الجهات الخيرية للجهات الفقيرة، بل إن لولي الأمر أن يوحد أموال الأوقاف ويصرف منها على جهات لم ينص عليها متى ظهرت فائدتها، فلكل زمن حكمه، ولكل زمن حوائجه.

تغير النظر إلى الإحسان من جهتين: الأولى: أنه كان ينظر إليه على أنه تفضل من الغني على الفقير؛ يفعل إن شاء ويترك إن شاء، فجاءت العصور الحديثة وجعلته واجبا محتوما لا يفعله الغني تفضلا بل يفعله أداء واجب، وكان جميلا تعبير القرآن عن ذلك بقوله:

وفي أموالهم حق للسائل والمحروم .

والثانية: أنه كان ينظر إلى الإحسان على أنه علاقة بين فرد وفرد، فجاءت العصور الحديثة فرأت أنه واجب اجتماعي، فوجود الفقراء في مجتمع مظهر مرض له، والإحسان علاج اجتماعي، ولا يصح المجتمع إلا إذا عولج مرض الفقر فيه، وكما أن الفقر مرض اجتماعي فالإحسان كذلك علاج اجتماعي.

وقد يلحق بهاتين الجهتين مسألة ثالثة، وهي أن الإحسان لا يصح أن يقتصر على المال؛ فقد يكون الإحسان بتوجيه الفقير حتى يكسب، وبتعليم الجاهل حتى يقدر، وبمعالجة المريض حتى يصح، بل قد يكون سلبيا لا إيجابيا، بمنع المخدرات عن الفقير، ومحاربة الأمراض قبل تفشيها، بل رأى المفكرون في العصور الحديثة أن الإحسان قد يكون جريمة إذا كان إلى شخص كبير أو صغير يحمله الإحسان إليه على أن يتخذ السؤال حرفة، أو يأخذ الصدقة فيتكيف بها، ومن أجل هذا كله أصبح الإحسان لا ينظر إليه بالسهولة التي كان ينظر إليه بها، فيجب أن يوضع محله بعناية وبدقة؛ حتى لا يسبب مرضا أعظم.

لا يكفي أن يتلذذ المحسن من إحسانه بل لا بد من أن يقابل مرضا اجتماعيا يعالجه.

والأدب العربي مملوء بالشعر الذي يمدح العطاء الفردي، ولكن لا أذكر أني رأيت شاعرا ينظر إلى الإحسان على أنه واجب اجتماعي، فيجب أن يتحور النظر بتحور الزمن، والله الموفق.

| الثقافة الأدبية والثقافة العلمية

نعني بالثقافة الأدبية المعنى الواسع الذي استعمل فيه كلمة كلية الآداب؛ إذ تشمل الدراسة الأدبية من شعر ونثر والجغرافيا والتاريخ والفلسفة وآداب اللغات، كما نعني بالثقافة العلمية المعنى الذي استعملت فيه كلمة كلية العلوم من طبيعة وكيمياء ورياضة وجيولوجيا ونحوها.

والحق أن لكل ثقافة من هاتين الثقافتين ميزات وأضرارا، فمن ميزات الثقافة الأدبية توسيع الذهن وتربية العواطف وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها، ومن أضرارها عمومها وعدم دقتها وقبول من تثقف بها للجدل وقدرته عليه واستطاعته إقامة البرهان المنطقي على الشيء ونقيضه إلخ.

ومزية الثقافة العلمية التحديد والدقة؛ إذ كلها تقريبا مثل 1 + 1 = 2 أو مضاعفات ذلك، هذا إلى أن عقلية أصحاب الثقافة العلمية عقلية لا تقبل الجدل، فالمسألة إما صحيحة أو خاطئة، وليس هنالك رأي وسط، ومن عيوبها خلوها من العواطف واقتصار صاحبها على دائرة معينة لا يسبح في غيرها إلا إذا تثقف ثقافة أدبية، ولذلك نرى رياضيين أو مهندسين بارعين وهم ماهرون في فنهم، ولكنهم إذا خرجوا عنه قيد شعرة كانوا أشبه بالعوام.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٤٤