تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنه إذا حصل ما نتمنى، أضفنا إلى روحانية الشرق يدا عاملة، وقوة حاسمة، وأضفنا إلى مادية الغرب قلبا نابضا، وشعورا فياضا، ولكن أنى لنا ذلك، والمطلب عسير، والطريق شاق؟! وكان حكيما من الإسلام أن يطلب في كل صلاة الدعوة بالهداية إلى صراط مستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

| تنظيم الإحسان

استعملت كلمة الإحسان في معان كثيرة، فاستعملت بمعنى الإتقان مثل قوله تعالى:

ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ، وقوله

صلى الله عليه وسلم : «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة».

وتستعمل بمعنى الفضل والزيادة عن أداء الواجب، فأداء الواجب عدل، والزيادة عنه إحسان، وعلى هذا المعنى قوله تعالى:

إن الله يأمر بالعدل والإحسان .

وتستعمل بمعنى التصدق على الفقير والمسكين.

والإحسان قديم وواجب ما دام في المجتمع غني وفقير، ومحتاج وغير محتاج، وربما كان الباعث عليه أول الأمر سد رب الأسرة حاجة أفرادها من أطفال وعاجزين عن الكسب، والإشفاق على ذوي القربى وصلتهم، ثم اتسعت حتى شملت المجتمع بأسره، ثم اتسعت حتى شملت الإنسانية كلها، وحتى شملت الحيوان والنبات، وقد تبنى الإحسان الدين، وجعله إحدى وسائله وربطه بالجزاء الأخروي، والثواب بعد الموت.

وفي العصور الحديثة ربط بالمجتمع واتخذ أشكالا مختلفة مثل رفع الضرائب عن الفقراء، ومصادرة الأغنياء فيما زاد عن حاجتهم وإعطائه للفقراء، وفتح المدارس لأولاد الفقراء، والملاجئ للعجزة، والمستشفيات للمرضى، وغير ذلك.

وقد كان ينظر إليه على أنه إعطاء مال من فرد لفرد أو جماعة يدا بيد، وكان عيب هذه الطريقة أن المال قد يعطى لغير مستحقه، ولمن يدعي الفقر وليس فقيرا، ولمن يتظاهر بالمرض وليس مريضا، ثم في العصور الحديثة نظم الإحسان حتى حرمت بعض الأمم الإحسان الفردي، وأعطي الإحسان للجمعيات الخيرية والهيئات التي تعنى بذلك، فهي التي تعني بدرس الأفراد وحالاتهم المختلفة، وتتلقى الإحسان من المحسنين، وتتصرف كما ترى.

وأعرف أن بعض الممالك الأوروبية قسم البلاد إلى أجزاء، وخصوصا المدن الواسعة، وتبرع أفراد، وخصوصا من السيدات، للقيام بهذا العمل، أعني التبرع بدراسة أحوال الفقير، فكل جماعة تخصصت لحي من الأحياء، وتدخل السيدة منهن بيت الفقير في هذا الشارع فتدرس حالته وأسباب فقره وتقترح العلاج اللازم؛ فقد يكون السبب تعطل رب الأسرة، وقد يكون السبب إدمانه على نوع من المخدرات، وقد يكون السبب التبذير وعدم الحكمة في الإنفاق، إلى غير ذلك من أسباب، وبعد الدرس تقترح نوع العلاج المناسب، من إمداد الأسرة بمال أو معالجة المدمن على نوع من المخدرات، أو النصيحة بالاقتصاد في الإنفاق، أو نحو ذلك، ثم تراقب الحالة وما ترتب على العلاج من نتائج، ونظروا أيضا في حالة أولاد الفقراء، حتى لا يؤول أمرهم من الفقر إلى ما آل إليه أمر آبائهم، فعلموهم حسب استعدادهم، ووجهوا اهتمامهم إلى نوع العلم الذي ينفعهم في حياتهم، فوضعوا نصب أعينهم أن العلم للحياة لا للترف العقلي.

على هذا النحو تكونت الجمعيات المختلفة لتنظيم الإحسان، وتبين أن هذا خير من الإحسان الفردي يدا بيد.

وتعددت أنواع الإحسان في الأمم طبقا لما يظهر من حاجات، فبعض الأمم جعلت مقدارا معينا من اللبن مثلا من حق كل محتاج - وخصوصا الفقراء وأطفالهم - تدفع ثمنه الحكومة مما تحصله من الضرائب على الأغنياء.

وبعض الأمم جعلت علاج كل مريض من حقه على الحكومة، والحكومة تعالج الفقير كالغني مما تحصله من الضرائب، ومن ذلك تعليم أولاد الفقراء مجانا، وعلى العموم نظر إلى الإحسان نظرة اجتماعية خلاصتها تحمل الأغنياء المسائل الضرورية للفقراء.

والإسلام نظر إلى هذه المسألة نظرة جديدة بأشكال مختلفة، فأولا: فرض الصوم حتى يشعر الغني بحاجة الفقير، وثانيا: فرض الزكاة على كل من يملك نصابا حال عليه الحول ، وجعلها بمقدار 2,5٪ من رأس المال، وثالثا: دعا إلى عدم الاكتفاء بهذا الفرض؛ بل الإكثار منه والزيادة عليه بحسب الاستطاعة، فوجدت على أثر ذلك الأوقاف المختلفة الخيرية، عدا الملاجئ والمدارس والمستشفيات وغير ذلك، حتى إن بعض الوقفيات جعلت جزءا منها يصرف في إطعام الحيوانات، وكلما سرت في شوارع المدن مثلا ترى الأسبلة المختلفة لري الحيوانات، حتى قال بعضهم: إن الزكاة والإحسان لو نفذا بإحكام ما وجد فقير محتاج ولا حيوان محتاج.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٤٣