الثاني:
أنه من أثر انتشار الأديان والتعمق فيها، قيست أمور الحياة بمقياس غير مادي، فالعمل في الغرب يقاس بنفعه أو ضرره فقط، أما في الشرق فإنه يقاس بمقياس حليته وحرمته، أي أنه يرضى الله عنه أو لا يرضى.
وقد بلغ من الغرب عند مقياسه بالنفع والضرر أن نشأ مذهب كبير يرى قياس الأمور خيرها وشرها بمقياس اللذة والألم، فإذا رجحت كفة اللذائذ لأكبر عدد ممكن، فالعمل فضيلة، وإلا فرذيلة، ومن أجل هذا رتبت الفضائل في الشرق ترتيبا غيره في الغرب، فالمروءة والسماحة والنبل والطاعة من أكبر الخصال الحميدة في الشرق، بينما حفظ الوقت والاقتصاد والصدق في المعاملة من أكبر الفضائل في الغرب.
الثالث:
أن الناس في الشرق - عادة من أثر الأديان أيضا - يمزحون في أعمالهم وغاياتهم من أعمالهم الحياة الأخرى بجانب الحياة الدنيا، فهم إذا قدروا عملا راعوا ذلك كل المراعاة، فحسبوا حساب ما ينالهم من الجزاء الأخروي بجانب الجزاء الدنيوي، وأضافوا على أعمارهم الآخرة على الدنيا، ولا شك أن هذا نوع من الروحانية، أما في الغرب فيكادون يقصرون حسابهم على الدنيا وحدها.
الرابع:
أن الشرقيين يبنون حياتهم على أن هناك عالما آخر هو المسمى بعالم الغيب، فيه الجنة والنار، وفيه الملائكة والجن، وفيه المعجزات إلخ، وكلها أمور روحانية لا مادية، إذا استفتي فيها العلم المادي يقف أمامها حائرا.
نعم ... إننا لا ننكر أن بين الغربيين من يبني حسابه على جنة أو نار، وعلى دنيا وآخرة، ولكنهم ليسوا كالشرقيين في ذلك، وحتى هذا القدر كان نتيجة للاعتقادات الدينية التي انتقلت من الشرق للغرب.
الخامس:
أن من مظاهر الحياة الروحانية في الشرق الاعتقاد بالقضاء والقدر والحظ، وكرامات الأولياء، ونحو ذلك مما ليس له نظير في الغرب، هذا ما أظن أن القائلين بروحانية الشرق ومادية الغرب يقصدونه، يضاف إلى ذلك ما يظهر في أعمال الغربيين عادة من إمعان في المادية، فالعمل يعمل بعد حساب ما ينتجه من الفوائد، وما ينفق عليه قبل الإنتاج، فإن رجحت كفة الفوائد بعد النفقات أقدموا على العمل، وإلا لا، يظهر ذلك في أعمال الشركات ودور الصناعات والنقابات وغير ذلك، وبعبارة أخرى: إن حسابهم غايته الأخيرة هي مقدار الربح المادي، ولا نظر في ذلك إلى خير الإنسانية أو ضررها، فالدور الكبيرة لإنتاج الآلات الحربية من مدافع وطيارات وغواصات ونحو ذلك، تقوم على أساس مقدار ما تنتجه من الربح، ولو أهلكت الملايين من الناس، والنظر الروحاني في هذه الأعمال يختلف كل الاختلاف عن النظر المادي، فهو لا يبيح مصانع آلات القتال؛ لأنها تبيد الإنسانية، وإن أربحت مالا وفيرا.
وكثيرا ما نعى المصلحون على أوروبا إفراطها في المادية، وعبروا عن ذلك بقولهم: إن الغرب قد اختل توازنه، فنما عقله، ونمت صناعته، ونما علمه، ونمت عنده كل مرافق الحياة، ولكنه لم ينم قلبه. وهذا التعبير يساوي ما نقوله من نقص الغرب في الحياة الروحانية.
نعم ... إن الروحانية في الشرق بولغ فيها كما بولغ في مادية الغرب، فاعتراها كثير من الخرافات والأوهام من تدجيل وتخريف واعتقاد شديد في الأرواح، وغير ذلك من مظاهر الأوهام، ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في الناحية التي تشيع فيها الروحانية في التصوف، فكم مني التصوف بالدجالين؛ لأن التصوف مبني على الذوق، لا على العلم والعقل، كالفلسفة، وإذا بني على الذوق أمكن فيه الادعاءات الكاذبة والأقوال الفاسدة.
ومن النتائج السيئة لهذه الروحانية المفرطة الكسل والقعود عن العمل، والضعف وعدم الأخذ بأسباب القوة مما جعل حياتهم في عزلة، يعيش أكثرهم عالة على الناس، والحق أن هناك روحانية صادقة تدعو إلى العمل لا إلى الكسل، وتؤمن بالقدر، بقدر.
فإن نحن نقدنا المادية في جفافها، وقصرها حسابها على الظاهر دون الباطن، وعلى الربح دون خير الإنسانية، فإننا ننقد الروحانية في أنها سمحت للأفكار الضالة أن تتسمى باسمها، وتعيش بجانبها، وإذا نحن تمنينا شيئا في هذا الموضوع، فإننا نتمنى أن تطعم روحانية الشرق بالمادية العاقلة التي تدعو إلى القوة واستخدام العلو في مرافق الحياة، كما نتمنى أن تطعم مادية الغرب بشيء من الروحانية الصادقة، لا دجل فيها ولا خرافات ولا أوهام.