تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأمامنا مجال الابتكار كبير، فعندنا وجوه الإصلاح المختلفة في كل النواحي تحتاج إلى ابتكار، وعقل فعال، وليس يغني فيها التقليد للأوربيين، فموقفنا غير موقفهم، وظروفنا غير ظروفهم، كما لا يغني فيها التقليد للأقدمين؛ لأن الزمن تغير، والبيئة تغيرت.

والباحث يعجب من وقوع الشرقيين في هذه المصيبة الكبرى، والتجائهم إلى التقليد في كل شيء، مع أن كتابهم الكريم ينعي على المقلدين الذين قالوا: «إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم لمقتدون»، ويشجع على إعمال العقل ويمدح العقلاء المفكرين الذين يستعلمون عقولهم في أحكامهم على الأشياء، والقرآن والأحاديث مملوءة بهذا النحو، فما الذي أصابهم؟ الذي يظهر أن تتابع الظلم عليهم، وما أصابهم من غزوات التتار، وما أتعبهم من الحروب الصليبية، ونحو ذلك، كله فت في عضدهم، وكسر من نفوسهم، فالابتكار يحتاج إلى سرور بالحياة، وتفتح لها، وأما من لم يسر بالحياة، ولا يستمتع بها، وينتظر الموت إن عاجلا وإن آجلا، فلا تتفتح نفسه لابتكار ولا تفكير فيه، يضاف إلى ذلك أن غلبة منهج الحديث مع الأسف على منهج الاعتزال يحمل على اتباع الرواية أكثر مما يحمل على الدراية، ومن أجل هذا نشأت عبادة عبارات الكتب؛ لأن الذي لا يخطو خطوة إلا بحديث مروي يسلمه ذلك إلى الاتباع لا الابتداع، وشاع بينهم ذم البدعة والابتداع، والقديم على قدمه، ونحو ذلك من الأقوال التي تكسر النفس وتصدها عن الإبداع والابتكار.

وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن ينفضوا عنهم غبار الماضي؛ فيخلعوا التقليد، ويقدسوا الابتكار، ويعملوا عقلهم في كل شيء، ماديا كان أو معنويا، ويأنفوا أن يقلدوا أسلافهم، أو يقلدوا الأمم الحية الأخرى، فكل تقليد معيب، وحتى التقليد للأوربيين لا يخلو من خطأ؛ لأن معيشتهم غير معيشتنا، وقد يكون الشيء عندهم نافعا، فإذا نقل إلينا كان ضارا، والعكس، وحبذا لو نادى الزعماء طويلا بالحث على الابتكار، والدعوة إليه، والتنبيه على أضرار التقليد، ووضعوا في برامجهم التعليمية تعويد الناشئين أن يتساءلوا دائما عندما يروى لهم خبر أو سير على طريقة خاصة: «لم هذا؟ وما برهانه؟ وما الفائدة منه؟ ولعل هذا هو المعقول أو عكسه»، إنهم إن عودوهم ذلك وهم ناشئون شبوا وعقلهم ناضج؛ فأحبوا الابتكار، وسعوا إليه، وعملوا به، كما يجب على الزعماء أن ينقوا الأقوال القديمة والشعر القديم والأدب القديم من كل ما يحث على الاتباع والتقليد، وينفر من الابتكار والتجديد، فيحذفوها من تراثهم، ولا يستبقوا من التراث إلا ما كان صالحا لبرنامجهم الجديد، والله يوفقهم.

| مادية الغرب وروحانية الشرق

اعتاد الكاتبون أن يصفوا الشرق بالروحانية والغرب بالمادية، حتى قال فيدلبند في كتابه تاريخ الفلسفة: إنه قد التقى في الإسكندرية أيام أينعت فلسفتها مادية الغرب بروحانية الشرق. وجرى على أثره كثيرون، وقد طعن في هذا المعنى بعض الكتاب في العهد الحديث؛ إذ قالوا: إن الغرب يفوق الشرق أيضا في المعنويات، كما يفوق في الماديات، فتجد أن عواطفه أرق، وأن عنايته بالمستشفيات والملاجئ وتنظيم الإحسان أرقى.

فإن أريد بالروحانيات الخرافات والأوهام؛ كتحضير الجن، والجن، والسحر، والعزائم، فذلك صحيح في الشرق، وهو أكثر منه في الغرب، أما إن أريد بالروحانية رقي العواطف وأعمال البر والإحسان، على أساس معقول، فذلك في الغرب خير منه في الشرق، وبناء على ذلك يكون الغرب أرقى في الماديات والروحانيات جميعا، ولكن يظهر أن للمسألة وجها آخر غير الذي قصد إليه الأديب الحديث: وهو أن الناحية الروحانية غير الناحية العقلية، وغير الناحية العاطفية، ويتجلى ذلك في الشرق في أمور:

الأول:

أن الشرق منبع الديانات الكبرى فاليهودية والنصرانية والإسلام، وهي الثلاثة الأديان الكبرى في العالم، بل ومذهب بوذا وكنفوشيوس، كلها نبعت في الشرق، وانتقلت منه إلى الغرب، وقد كانت ولا تزال في الشرق أعظم منها في الغرب، ولا شك أن هذه الأديان كلها تبعث في النفس الروحانية، على نحو غير الناحية العقلية والعاطفية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٤١