تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي الكعبة التي أسسها إبراهيم - عليه السلام - وجعل الله موضعها وما حولها مثابة للناس وأمنا.

هي بناء مربع تقريبا يبلغ طول كل ضلع نحو عشرة أمتار، وارتفاعها نحو خمسة عشر مترا، وفي زاوية من زواياها الحجر الأسود.

كان إبراهيم وقومه يعبدون عندها الله وحده، ثم خلفهم خلف لعب الشيطان في رءوسهم؛ فتحولوا من عبادة الله إلى عبادة الأصنام وأقاموا فيها التماثيل للات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى؛ حتى جاء الإسلام فرجع الدين إلى أصله وأحيا سنة إبراهيم، ولما فتح النبي

صلى الله عليه وسلم

مكة في السنة الثامنة من الهجرة أزال ما بها من أصنام وجعلها الله قبلة للمسلمين يتجهون إليها من جميع أقطار الأرض في صلاتهم، يذكرها نحو ثلاثمائة مليون مسلم في بقاع الأرض المختلفة، كل يوم خمس مرات حين يتجهون إليها في صلاتهم، ويدعون الله بدعواتهم:

قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره .

هذه هي الكعبة التي يقصدها كل عام مئات الألوف من الحجاج؛ طوعا لأمر ربهم، وتطهيرا لنفوسهم، ورياضة لقلوبهم.

يطوفون حولها وقلوبهم تفيض توبة واستغفارا وابتهالا إلى الله أن يغفر ذنوبهم فيما مضى، ويوفقهم للعمل الصالح فيما يأتي:

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .

هنا تتساوى الرءوس، وهنا يقوم الإنسان قيمته الذاتية، فلا فضل لأحد على أحد بماله أو جاهه أو لونه أو أي عرض من أعراض الدنيا، إنما قيمة الإنسان ما كسب من خير، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وقد يكون أشعث أغبر، وهو عند الله خير من ملك متوج وغني مترف.

حول هذه الكعبة يلف الحاج سبع لفات يعبر عنها في لغة الدين بالطواف، سبعة أشواط؛ تقليدا لإبراهيم - عليه السلام - في عمله، والنفس إذا امتلأت بحرارة الإيمان، وجدت لذتها في الحركة، وكلما مر بالحجر الأسود استلمه إن أمكنه، أو سلم عليه بيمينه إن لم يمكنه من الزحام حوله؛ وتعظيم الحجر لا لذاته فإن الإسلام تنزه عن عبادة الأحجار، وحارب الأصنام والأوثان على اختلاف أشكالها وألوانها، ولكن ينظر إليه الإسلام على أنه أثر من آثار أبينا إبراهيم، فنحبه ونحب ذكره وآثاره، كما يحب الإنسان أثر من كان عزيزا عليه، ولهذا كان عمر بن الخطاب لما حج ووقف عند الحجر الأسود قال: «اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك».

وفي هذا الطواف كله يحلو للحاج أن يمعن في الدعاء، يجد فيه راحته وسعادته، ويشعر وهو يشترك مع الحجاج في الدعاء بلذة روحية ممتعة، وهناك أدعية مأثورة في هذا المقام؛ مثل: اللهم إن بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت أرحم الراحمين، اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في الأهل والمال والولد، وهكذا من دعوات صالحات.

ويلي هذا من أعمال الحج السعي بين الصفا والمروة، وهو طريق طوله نحو أربعمائة وعشرين مترا تقريبا، ينتهي من ناحيتيه بربوة تسمى الصفا، وربوة تسمى المروة، وكانت الربوتان في الأصل تشرفان على الصحراء، ولكن الطريق اليوم أصبح وعلى جانبيه المباني والبيوت ودكاكين التجارة، وكل ربوة جعل عليها درجات يصعد عليها الحجاج، والسعي شعيرة من شعائر الحج، قال الله فيه:

إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ، وعدد أشواطه سبعة كالطواف .

وهذا المسعى تجده مزدحما بالحجاج في كل لحظة من اليوم ليلا أو نهارا، يعج بالساعين داعين مكبرين، وقد حث الإسلام على السعي في بعض أجزاء الطريق في إسراع؛ لإظهار المسلمين جلدهم وقوتهم أمام عدوهم، وبقيت هذه سنة الإسلام.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٣١