في هذا المسعى ترى جميع أصناف العالم الإسلامي، من تركي، وهندي، وشامي، ومصري، ومغربي، ويمني، وفارسي، وياباني، وتسمع اللهجات المختلفة والألسنة المتباينة، وكلها تذكر الله، وتلجأ إليه، وتتجاوب الأصداء بالدعاء إلى الله بالتوبة والغفران.
وفي هذا الفيض من الشعور ينسى المرء نفسه، وينسى تعبه، ويرى الشيخ المسن وقد دفعته حرارة الإيمان للسعي الطويل مع الجلد والصبر الجميل، وفي هذا المسعى ذكرى إبراهيم وما صنع، فمن المأثور أن المروة هي المكان الذي أمر إبراهيم بتضحية ابنه فيه، والصفا هو المكان الذي بحثت فيه أم إسماعيل عن الماء يوم كان الوادي قفرا، فالمكان مليء بالذكريات؛ من التضحية، والطاعة لله، وشفقة الآباء والأمهات، ورحمة الله بالناس.
وبعد هذا السعي يقضي الحاج فترة من الزمن يتذوق ما أنعم الله به عليه، ويشعر بنوع من الغبطة كأنه كان يحمل حملا ثقيلا من الأوزار والخطايا رفعت عنه، وكأنه خلق خلقا جديدا في صفاء نفسه وطهارته.
حتى إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، ويسمى يوم التروية، يخرج الحجاج إلى جبل عرفات، فيتجهون إلى الشرق في واد بين جبلين ويزدحم الناس في الطريق، هذا يسير بجمله، وهذا يسير على قدميه؛ احتمالا للمشقة في سبيل الله، وهذا يسير بسيارته، فترى الإبل تسير قوافل، والسيارات كذلك، والسائرون على أقدامهم في وسط ذلك، أو على جانبي الطريق، والناس يسيرون بالنهار وبالليل في ضوء القمر، والوادي يسيل بالناس سيلا، وتسير هكذا حتى تصل إلى منى، فترى قبيل دخولك جمرة العقبة، وهي حائط من الحجر ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار في عرض مترين، أقيم على قطعة من صخرة مرتفعة؛ ليرجمها الناس بالحجارة إذا رجعوا من عرفات؛ تمثيلا لقوة نفوسهم وتجسيمهم الشيطان ورميه بالحجارة، وبعد الخروج من منى والمرور بواد ضيق؛ يتسع الوادي وتنفتح أرجاؤه إلى الشمال والجنوب.
وترى علمين وهما عمودان بعيدان عن بعضهما قد أقيما في فضاء الوادي الواسع للدلالة على حدود عرفة.
هذا واد فسيح لا حد لسعته، وهنالك جبل حلق على الوادي، وأقفله أمامك من الشرق على شكل قوس كبيرة، هو جبل عرفات، وهناك من ناحية الشمال لسان يمتد إلى الغرب هو جبل الرحمة، فيه صخرة عالية كان يقف عليها النبي
صلى الله عليه وسلم
عندما يخطب.
كل هذا جبل عرفات ووقفة عرفات، في هذا الوادي المتسع تنصب الخيام التي لا عداد لها للناس من جميع أقطار الأرض، وفي سفح الجبل وأعلاه يقف الحجيج، في هذه الأمكنة الفسيحة يزدحم الناس حتى لا تكاد ترى مكانا خاليا.
هنالك يرى الحاج مجرى عين زبيدة وحاجة الحجاج إليه، فيشعر بالعمل العظيم الذي قامت به هذه السيدة زوج الرشيد من تيسير على الناس في أهم ضرورات الحياة.
يجتمع الناس في هذا المكان في اليوم التاسع من ذي الحجة مع قليل من ليلة العاشر، فترى منظرا عجبا، لا أذكر في حياتي أني رأيت منظرا أرهب منه ولا أجل منه، عصبة أمم لا عصبة حكومات، يجمعهم غرض واحد ولا تشتتهم الأغراض، يرجون التخفف من الدنيا ويندمون على التفاني في أعراضها، يحتقرون أصنام الناس من مال وجاه وشهوات، ويسمون إلى طلب رضا الله بطاعته، ويشعرون بالسعادة الحقيقية وهي السعادة الروحية الباقية، لا السعادة المادية الفانية، ويؤمنون بإله واحد فوق المادة وفوق البشر وفوق كل القوى، له وحده يخضعون، وبه وحده يستعينون؛ أما الخضوع لغيره فضرب من الإشراك، وأما التذلل في سبيل المال والجاه وأعراض الحياة فضرب من العبودية لا يرضاه دين الإسلام، كلهم ينادي: لبيك اللهم لبيك، فتتجاوب بهذه الكلمة الأرجاء وتدوي بها الأصداء، فتتغلب روحانيات الناس على مادياتهم، هنالك يتطلع الناس إلى رحمة ربهم، ويطلبون منه العون على صفاء نفوسهم، ويحتقرون أنفسهم الماضية التي خضعت للشهوات وأفسدتها اللذات، ويسمون إلى مثل أعلى فيه حب الخير وبغض الشر، والرجاء إلى الله أن يوفقهم إلى حياة من نوع آخر؛ فيها الطاعة والإخلاص وعمل الخير للخير ولله.