وتنتهي هذه المرحلة بوصوله إلى مكة - عبر الصحراء - فإذا شاهدها ثارت في نفسه الذكريات؛ هذه مكة التي كانت واديا غير ذي زرع، هبط إليه إبراهيم وابنه إسماعيل نحو سنة 1892 قبل الميلاد، وأخذا يرفعان قواعد البيت كما يقول الله تعالى:
وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم
وهذه هي مكة التي أخذت شهرتها تنمو وتتسع؛ حتى قصدها الناس من كل فج عميق، وهذه مكة التي سكنتها قريش واعتزت بما كان في يدها من مفاتيح الكعبة.
هي مكة التي ولد فيها النبي
صلى الله عليه وسلم
في بيت من بيوتها، وشعب من شعابها، يمشي في شوارعها وأسواقها ويقضي فيها شبابه وكهولته، وهذا بالقرب منها غار حراء، وهو الغار الذي كان يتعبد فيه النبي، وفيه نزل الوحي عليه لأول مرة.
وهذه هي مكة التي تتابع الوحي فيها ثلاث عشرة سنة، نزلت فيها كل السور المكية تدعو إلى ترك الأصنام وعبادة الله وحده.
وهذه هي مكة التي جرت فيها الأحداث الأولى للإسلام، فكان النبي يدعو قومه وهم عنه معرضون، يجاهد فيهم ويصبر على أذاهم ويلتف حوله أتباع قليلون يؤذون في أموالهم وأنفسهم؛ فيحتسبون ذلك عند ربهم.
وهذه هي مكة التي كان فيها دار الأرقم المخزومي التي كان يختبئ فيها رسول الله في صدر بعثته هو ومن آمن معه، وكانوا يصلون بها سرا حتى أسلم عمر فجهر رسول الله بالدعوة وتعرض للأذى.
وهذه مكة التي هاجر منها رسول الله بعد أن ألح قومه في إيذائه، وأبوا نصرته، وجاهروه بالعداء، وأرادوا أن يحبسوه أو يقتلوه أو يخرجوه، ثم هذه مكة يدخلها رسول الله فاتحا وينزل عليه في ذلك:
إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا .
وأخيرا هذه مكة التي ظلت مقصد الناس في حجهم من عهد إبراهيم إلى اليوم، أي ما يقرب من أربعة آلاف عام، وهذه هي مجتمع المسلمين اليوم من جميع أقطار الأرض يهتفون هتافا واحدا، ويلبون تلبية واحدة، وتدوي في أرجائها: «لا إله إلا الله محمد رسول الله».
هذه مكة التي يقصدها الحجاج فيرونها واديا منحصرا بين سلاسل جبال متصلا بعضها ببعض، قد عمرت سفوح هذه الجبال بالمساكن متدرجة عليها إلى الوادي، كل هذه ذكريات تملأ النفس وتأخذ بمجامع القلب، وتدخلها في موسم الحج فترى عجبا أي عجب، مئات الألوف من الناس في ثوب الإحرام مغمورون بالشعور الديني، يعجون بالدعاء والتلبية، وترى معرضا يفوق كل معرض من الأجناس البشرية، مختلفي الألوان، مختلفي الألسنة، مختلفي العادات، ولكنهم قد وحد بينهم الغرض الديني، ووحدت بينهم العقيدة، كلهم يعبد الله وحده، وكلهم يشعر نحو الآخرين بالأخوة الإسلامية.
هذا الجمع الحاشد يشيع فيه الحب والإخاء والمساواة والتعاطف ويغمرهم شعور ديني نبيل يهز القلب ويبعث الرحمة.
وفي وسط مكة تقريبا تقع العين على المسجد الحرام بقبابه ومآذنه ونورانيته، وهو ما أحدثكم عنه في الحديث القادم إن شاء الله.
| في الحج (2)
وصلنا في حديثنا الماضي عن الحج إلى المسجد الحرام بمكة.
والمسجد الحرام أو الحرم المكي في وسط مكة تقريبا على شكل مربع تقريبا طول ضلعه نحو مئة وأربعة وستين مترا، له أبواب ثمانية ، وست منارات، وأربعة أروقة، عليها قباب كثيرة، وصحن كبير غير مسقوف فرشت بعض أرضه بالبلاط وبعضها بالحصباء، وهو بسيط في بنائه، جميل في منظره، يشعر المؤمن بجلاله وعظمته ويهتز فرحا بالوصول إليه.
وما يدخل الداخل باب الحرم حتى يقع نظره على بناء أسدل عليه ستار أسود موشى بطراز من ذهب.
هذه هي الكعبة، وما إن يراها الرائي حتى يشد إليها نظره ويخفق لها قلبه وتتحرك نحوها قدمه، وتمتلئ نفسه خشوعا ورهبة وإعظاما وإجلالا، ويرى نفسه ذاهلا مندفعا مع الداعين والمبتهلين سابحا في ذكريات ما قرأه من الدين والتاريخ.