وليس ذكر الحج في آخر الأركان إلا لأنه عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين.
وفي الحق؛ إن في الحج فوائد دينية عديدة؛ فالحاج إذا نوى السفر من وطنه استحضر أعماله واستذكر سيئاته وندم عليها وتهيأت نفسه لقبول الخير، فكان في ذلك طهارة من ذنوبه وحسن استعداد لطهارة نفسه وقربها من الخير وبعدها عن الشر، والتجأ إلى الله أن يحفظه في أهله وماله وولده، وأن يوفقه للبر والتقوى، وأن يرزقه في سفره سلامة البدن والدين والمال، ويبلغه حجه على أحسن وجه وأكمله؛ وفي هذا كله طهارة لنفسه وقوة لروحانيته.
فإذا تقدم في أعمال الحج فأول ما يواجهه الإحرام وهو أن يتجرد الرجل من كل ثوب مخيط ويلبس إزارا ورداء ويلبس في رجليه نعلين، وتلبس المرأة ثيابها وتكشف وجهها وكفيها، ويعجون إذ ذاك بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فترى الناس إذا أحرموا لبسوا ملابس إبراهيم - عليه السلام - فلباسنا يذكرنا به، وكان إبراهيم من الكلدانيين الذين اعتادوا لبس البسيط من الثياب؛ واختير اللون الأبيض؛ لأنه أدل على الطهارة والنظافة، والطهارة والنظافة في الثياب تشعران بالطهارة والنظافة في النفس، وحرم المخيط من الثياب؛ رمزا إلى أن الإنسان خرج إلى ربه من زخارف الدنيا وما فيها، ولأن لبس المخيط من الثياب وسيلة التفاوت بين اللابسين، فيكون الحج مظهرا للأزياء المختلفة والصناعات المتفاوتة، والإسلام يريد في مثل هذا الموقف إشعار الناس بأنهم أمام الله سواء؛ لا فرق بين غنيهم وفقيرهم وملكهم وصعلوكهم، وهذا مظهر من مظاهر المساواة في الإسلام، وكثيرا ما قصد الإسلام إلى المساواة في أكثر العبادات؛ تأكيدا لمعنى أن الله لا يعبأ بالغني لغناه، ولا يصد عن الفقير لفقره، وأن القيمة الحقيقية للإنسان في نفسه وفضائله، لا في ماله ولا في ملبسه ولا في جاهه.
ومن أجل هذا كان منظر الإحرام للحجاج إذا وصلوا إلى نقطة معينة في السفر منظرا آخذا بالنفس، يشعر فيه المسلمون كلهم بالمساواة، ويدل بياض ثيابهم على بياض نفوسهم، ويشعرون بالأخوة التامة؛ لا فرق بينهم في الجنس ولا في اللغة، ولا في أي عرض من أعراض الدنيا، وشعارهم الدائم هو التلبية، ومعناها رجوع النفس لربها، وسؤال الله أن يوفقها للخير، ويمن عليها بالطاعة، ويطهرها مما علق بها من زخرف الدنيا وأباطيلها.
ومن أجل هذا عد الإحرام ركنا أساسيا من أركان الحج؛ إذ به تتهيأ النفس لما يلي من أعمال.
وهو - إذا أحرم - نوى أنه يحرم للحج، والجملة المأثورة في هذه النية أن يقول: «اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، وأعني على أداء فرضه، وتقبله مني، اللهم إني نويت أداء فريضتك في الحج، فاجعلني من الذين استجابوا لك، وآمنوا بوعدك واتبعوا أمرك، اللهم قد أحرم لحمي ودمي وعصبي وعظامي، وحرمت على نفسي النساء والمخيط والطيب؛ ابتغاء وجهك والدار الآخرة».
وهو في هذه الحال كلما قابل أحدا أو دخل مجتمعا أو صعد أو هبط كرر: لبيك اللهم لبيك؛ ليذكر دائما موقفه أمام ربه، وليحفظ على النفس طهارتها وصفاءها وشوقها إلى خالقها.
ولا يزال الحاج على هذه الحالة النفسية، بين إحرام وتلبية، وتفكر في الله وتضرع إليه حتى يدخل مكة، ويصل إلى الحرم المكي وفيه الكعبة.
وهو في هذا كله يرتاض رياضة بدنية إلى جانب هذه الرياضة الروحية؛ فهذا العيش البسيط والملبس البسيط والحركة الدائمة والسفر ومتاعبه، تجعل من الإنسان رجلا قادرا على احتمال المشاق، غير منغمس في النعيم الذي يذهب بالرجولة، وتعده للقدرة على العمل الصالح إذا دعا داعي الوطن أو داعي الدين، وهو بمثابة التمرين العسكري الذي تفرضه الأمم الحية على أبنائها فترة من الزمن كل سنة فيتعودون خشونة العيش، ومواجهة الصعاب؛ وهذا الإحرام يفوق التجنيد في أن التجنيد رياضة جسمية، في أكثر حالاتها، وأما رياضة الإحرام فهي فوق ذلك تجنيد روحي، في تعود العمل لطاعة الله، ونصرة الحق وإعلاء كلمته، والتعهد الجازم بالائتمار بأمره، والانتهاء عما نهى عنه؛ فهو يخرج من ذلك قوي الجسم قوي الروح معا.