ثم إن الدولة الأموية اتسعت اتساعا عظيما فجائيا؛ فما بين النهرين وما وراء النهر وجزء من الأفغان والهند وشبه جزيرة العرب والشام ومصر وفارس والمغرب والأندلس ، كل هذه بلاد كانت تحكمها الدولة الأموية الفتية في عصر تقطع المسافات فيه على الخيل والإبل، ونظم الحكم لم تحدد، ولم تثبت تقاليدها، وهذا الملك الواسع يحتاج إلى رجال أقوياء مخلصين لأمتهم ولعرشهم، وقد كان في الدولة الأموية رجال عظام أخلصوا هذا الإخلاص في صدر الدولة ووسطها كزياد بن أبيه، وعبيد الله بن زياد والحجاج، وكان الخلفاء يكافئونهم على إخلاصهم بمؤازرتهم والإغداق عليهم وعدم سماع وشاية فيهم ونحو ذلك، ثم رأينا آخر الأمر أن الأمة ينبغ منها العظماء ويأتون بالأعمال العظيمة ثم يكون جزاؤهم من الخلفاء قتلهم أو تعذيبهم؛ فهؤلاء الفاتحون العظام أمثال قتيبة بن مسلم ويزيد بن المهلب يقتلون لوشايات يسعى بها الساعون، وموسى بن نصير فاتح الأندلس العظيم يزج به في السجن، وخالد بن عبد الله القسري الرجل الإداري الحازم يقتل، فإذا كانت هذه نهاية العظماء ومن يخدمون الدولة أكبر خدمة، فمن أين يأتي الإخلاص للدولة، والحرص عليها، والغيرة على مصالحها؟!
تجمعت هذه الأسباب كلها وتضخمت في آخر الدولة الأموية، وكان تفشيها يتطلب حزما شديدا وقوة بالغة، ولكن اقترنت هذه الأدواء بضعف الخلفاء الأخيرين؛ أمثال: الوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، فجاء مروان بن محمد وكان حازما قويا، ولكن لم ينفع حزمه وقوته أمام عوامل الثورة التي فاقت كل قوة، فسقطت، وكان في سقوطها عبرة لقوم يعقلون.
| في الحج1 (1)
في هذا الموسم - موسم الحج - أحدثكم ثلاثة أحاديث عن الحج.
والحج رياضة روحية ورحلة دينية، طالبت به الأديان على اختلاف أشكالها وأزمانها؛ فالمصريون القدماء كانوا يحجون، واليونان كانوا يحجون، والصينيون، والهنود، والنصارى، واليهود، كل أولئك يحجون؛ لما في الحج من مزايا روحية لا تنال بغير الحج.
وكان العرب قبل الإسلام بقرون يحجون إلى الكعبة، ويأتون بأعماله من طواف وسعي ووقوف بعرفة وغير ذلك من شعائر الحج، فجاء الإسلام وأقر بعض الشعائر مما يتفق مع تعاليمه، وأنكر بعضها، ولكنه - على العموم - غير النية وهي أساس العبادات، فبعد أن كانوا يتقربون للأصنام المنصوبة في الكعبة كسر هذه الأصنام، وجعل العبادة لله وحده، وليس الحج إلى الكعبة إلا تعظيما لبيت من بيوت الله، ورمزا إلى الأمكنة المقدسة التي عبد الله فيها إبراهيم وإسماعيل وغيرهما من الأنبياء والصديقين.
طهره الإسلام من الأوثان وجعله رمزا لعبادة الله، وجعل ما فيه من الشعائر ذكرى لأبينا إبراهيم - عليه السلام - في سعيه وطوافه، ومجتمعا للنفوس الطاهرة؛ تدعو ربها، وتطلب منه الرحمة والمغفرة، وتتقرب إليه بهيئات مأثورة عن أسلافهم، ويسعد به المسلمون بالهجرة من ديارهم في سبيل الله وتحمل المشاق لمرضاته، ومجاهدة النفس بتركها شهواتها، والتفرغ لعبادة الله وحده، وليجتمع الحجاج من أقطار الأرض في مكان فسيح واحد، يتبادلون فيه الرأي في خير المسلمين ومصالحهم ومشاكلهم، ويتجاوبون فيه الإيمان بالله والصدق في عبادته والدعوات لتوفيقه، إلى غير ذلك من مزايا للحج لا تحصى.
ولقد كان النبي
صلى الله عليه وسلم
يحرص على الحج من مبدأ الإسلام، حج وهو في مكة وحج لما هاجر إلى المدينة، وكان يحج ومكة في يد المشركين فإذا منعوه رجع وترك حسابهم لربهم، وفي السنة العاشرة من الهجرة حج
صلى الله عليه وسلم
بالمسلمين حجة الوداع وخطب فيها خطبته المشهورة، ونزل قوله تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .
وعد الحج ركنا من أركان الإسلام الخمسة؛ وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا.