تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هم جاروا الرومانيين في فنونهم وعمارتهم؛ فهذا الجامع الأموي الذي بناه الوليد قد بز به الكنائس الرومانية، بالقواعد الضخمة، وأساطينه الفخمة، ومحاريبه المزينة، وقبابه البديعة، وأروقته المرصعة بالفسيفساء الملونة، والنقوش المتنوعة، والفصوص المذهبة، والمرمر المصقول، وقد حشد لبنائه وتزيينه مهرة المهندسين والفنانين من الهند وفارس والمغرب وبيزنطة.

وعمر هشام رصافة الشام في غربي الرقة، واتخذها مصيفه، وبني فيها قصوره، وعمر سورها، وأنشأ فيها البساتين البديعة.

ومصر سليمان بن عبد الملك الرملة في فلسطين، وبنى فيها القصور والمساجد، وحفر فيها الآبار والأقنية.

وأنشأ الحجاج مدينة واسط بالعراق بين البصرة والكوفة، وأنشأ مسجدها وقصورها، وشحنها بالجند؛ يقمع بهم الثورات.

وأسس عبد الملك بن مروان جامع بيت المقدس، أو جامع الصخرة.

وعني الخلفاء الأمويون بالحرمين المكي والمدني وتوسيعهما وتزيينهما، يصرفون في ذلك الأموال الطائلة، ويجدون في استحضار التحف الفنية من جميع الأقطار.

وصبغوا الأعمال الرسمية بالصبغة العربية، فعمدوا إلى أهم مظهرين من مظاهر الدولة فعربوهما؛ وهما: النقود؛ وكانت أخلاطا من نقود فارسية ورومانية ومصرية، فعربها عبد الملك بن مروان ووحد صبغتها وقيمتها، وأمر بإنشاء دار لضرب السكة، وكتب على أحد وجهيها بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى الآخر الله أحد الله الصمد، وكذلك الدواوين وهي الدفاتر الحكومية، فكانت تكتب باليونانية في الشام، والفارسية في العراق، والقبطية في مصر، فنقلت جميعها إلى العربية، وبذلك أمكن ضبطها والإشراف عليها إشرافا صحيحا من الدولة، واتسع المجال أمام متعلمي الكتابة العربية أن يتولوا هذه الأعمال ويشرفوا عليها.

ووفد على دمشق المغنون والمغنيات من الحجاز، وبهم ارتقى فن الموسيقى والغناء، ونظمت لهم المجالس، وتربى في الناس ذوق السماع، وبجانبهما الشعر يمدهما بالأبيات الرقيقة المختلفة التفاعيل، المنسجمة مع الأصوات.

وأنشأ هشام حلبة سباق للعناية بالخيل وتوليدها.

ولكن - مع الأسف - تخلل عظمة هذه الدولة الفتية أسباب فنائها، فلم تعمر إلا نحو تسعين عاما.

ونحن إذا أجملنا أسباب سقوطها أمكننا أن نقول:

إن الأحزاب التي أشرنا إليها قبل، وخصوصا الحزب الهاشمي الذي يجمع العلويين والعباسيين، ظل يعمل في قلب الدولة الأموية في صبر وجلد، وكلما قتل منهم إمام حل محله آخر، والعذاب والعنف والقسوة لا تزيدهم إلا رغبة في الانتقام وأخذا بالثأر، وهم يحكمون دعوتهم، ويبثونها سرا في الأقطار، ويقولون بالتقية أي السرية وإخفار الأمور وإظهار غير ما يخفون؛ وكان الخلفاء الأمويون أحيانا يقسون عليهم قسوة تستوجب عطف بعض الناس عليهم والميل إليهم، وقد كان الخلفاء الأمويون الأولون يقظين يتتبعون كل حركة ولو صغيرة ويقضون عليها في حينها، فلما أخلد متأخروهم إلى اللهو والترف عميت عليهم هذه الحركات حتى استشرى شرها؛ وقد اختار الدعاة أخيرا خراسان؛ لتكون عش الدعوة، وقد قال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: «عليكم بأهل خراسان؛ فإن هناك العدد الكثير، والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة، لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ... وأصوات هائلة، ولغات فخمة، تخرج من أصوات منكرة».

فلما أحسنوا قيادتهم وبذروا فيهم أفكارهم وتولى زعامتهم دهاة من أمثال أبي مسلم الخراساني اكتسحوا الدولة.

وساعد على نمو الثورة أن الأمويين أفرطوا في العصبية العربية، فكانوا يشعرون المفتوحين بأنهم أقل منهم شرفا ونسبا وحسبا ودما، عكس الدعوة الإسلامية التي تتطلب الدعوة إلى المساواة؛ وقد أضرت هذه العصبية من ناحية أخرى، فالعرب لم ينسوا الخصومة بين يمنيهم ومضريهم، فكان إذا ولي يمنى تعصب لقومه من اليمن، وتعصب على غيرهم من مضر، وهي حال لا تبشر بخير.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٠٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٠٢٧